الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

للبدايات عمرٌ مفتوح

كانت الساعة السادسة إلا ربعًا حين دخلنا المسبح الداخلي، وكان سطح الماء ساكنًا إلى حدّ أن مصابيح السقف بدت معلّقة فيه. لم يكن هناك سوى حارس يجمع العوامات ومدرّبة ترتّب ألواح السباحة عند الطرف الضحل. مشيتِ بمحاذاة الحوض ببطء، تلفين المنشفة حول كتفيكِ، وكلما اقتربنا من السلّم قلتِ شيئًا لا علاقة له بالماء: إن الجو بارد، وإن النوم كان قليلًا، وإن بإمكاننا العودة في أسبوع آخر. كنتُ أعرف أن ما يؤخركِ ليس الصباح، بل شعور قديم بأنكِ وصلتِ متأخرة إلى شيء يعرفه الجميع.

جلستِ على الحافة وأدخلتِ قدميكِ في الماء، ثم قلتِ إن تعلّم السباحة في هذا العمر يبدو محرجًا. في المسار المجاور، عبرت فتاة صغيرة الحوض بسهولة، فتبعتِها بعينيكِ وابتسمتِ ابتسامة ضيقة. لم أقل إن الأمر بسيط، لأن ما يبدو بسيطًا لمن يقف على اليابسة قد يكون عالمًا كاملًا لمن يخاف العمق. قلتُ فقط إن الماء لا يسأل أحدًا متى بدأ، وإن هذا الصباح لا يعرف كم مرة أجّلتِه؛ يعرف أنكِ جئتِ.

أريدكِ أن تتذكري ذلك كلما وقفتِ أمام بداية ظننتِ أن موعدها فات. ليس للحياة صف واحد دخلناه جميعًا في السن نفسها، ولا جرس يغلق الباب على من تأخر. قد تتعلمين مهارة في الأربعين كان غيركِ يتقنها في العاشرة، وقد تكتشفين رغبة بعد أن بنيتِ سنواتكِ حول رغبات أخرى. هذا لا يجعل خطوتكِ نسخة ناقصة من خطواتهم. الطريق الذي يبدأ متأخرًا في التقويم قد يبدأ في اللحظة الصحيحة لصاحبته.

لن أسألكِ لماذا لم تفعلي ذلك من قبل بنبرة تحمل لومًا مخفيًا. ربما لم تجدي وقتًا، أو مالًا، أو مكانًا آمنًا، وربما كنتِ منشغلة بالنجاة من أمور لم يرها أحد. وربما لم تكوني تريدينه أصلًا ثم تغيّرتِ. لستِ مطالبة بصناعة عذر نبيل لكل بداية مؤجلة. الإنسان لا يعيش وفق جدول واحد، وما لم تختاريه بالأمس لا يصبح ممنوعًا عليكِ اليوم لمجرد أن الآخرين سبقوكِ إليه.

نزلتِ الدرجة الأولى، ثم الثانية، وتوقفتِ حين وصل الماء إلى خصركِ. اقتربت المدرّبة وسألتكِ إن كنتِ مستعدة، فنظرتِ إليّ قبل أن تجيبي. أردتُ أن أقول شيئًا يشجعكِ، لكنني خفت أن يصبح صوتي أمرًا آخر عليكِ طاعته. أومأتُ لكِ فقط بأن القرار لكِ. قلتِ للمدرّبة إنكِ تريدين أن تبدئي، ثم أمسكتِ الحافة بكلتا يديكِ. كانت أصابعكِ مشدودة، لكنها كانت في الماء، وهذه وحدها كانت بداية كاملة.

لن أحوّل شجاعتكِ إلى عرض أراقبه من المقعد. إذا طلبتِ حضوري، سأكون قريبًا، لكنني لن أجلس كحَكَم يحصي الأخطاء أو يطالب بنتيجة تليق بتعبنا في الوصول. قد تتوقفين بعد عشر دقائق، وقد تحتاجين إلى تكرار الحركة نفسها أسابيع. لن أرفع حاجبي حين تعيد المدرّبة شرح ما ظننتُ أنكِ فهمتِه، ولن أهمس لكِ بنصيحة لم تطلبيها كي أشعر أن لي دورًا. وجودي ليس شهادة تدريب؛ هو مكان تنظرين إليه فلا تجدين سخرية.

أعرف أن البدء يجعل الإنسان مكشوفًا. في المراحل التي نتقنها، نستطيع إخفاء ارتباكنا خلف الخبرة. أما البداية فتظهر اليد وهي لا تعرف أين تستقر، والصوت وهو يسأل سؤالًا أوليًا، والجسد وهو يخطئ حركة ينجزها الآخرون بلا تفكير. لهذا يحتاج المبتدئ إلى كرامة بقدر ما يحتاج إلى تعليم. المعلومة يمكن أن نجدها في كتاب، لكن الأمان الذي يسمح لنا بأن نبدو غير ماهرين لا يمنحه إلا شخص لا يستغل هشاشتنا ليبدو أعلى.

معي، لا أريدكِ أن تتظاهري بالمعرفة. قولي إنكِ لا تعرفين استخدام الأداة، أو نطق الكلمة، أو الطريق إلى المكان. اسألي السؤال الذي تخشين أن يكون ساذجًا. سأجيب إن عرفتُ، وأبحث معكِ إن لم أعرف، ولن أحفظ لحظة جهلكِ لأستدعيها في خلاف. ما نتعلمه معًا ليس سلّمًا يصعد عليه أحدنا فوق الآخر؛ هو أرض جديدة نختبرها، وقد تكونين أنتِ الدليل غدًا في شيء أقف أمامه مرتبكًا.

طلبت منكِ المدرّبة أن تنفخي في الماء. انحنيتِ قليلًا، ثم رفعتِ وجهكِ قبل أن يلامسه السطح، وضحكتِ من نفسكِ اعتذارًا. لم أضحك. رأيتُ في تلك الحركة خوفًا حقيقيًا لا يحق لي تصغيره. حاولتِ مرة ثانية، فخرجت فقاعات قليلة، ثم وقفتِ تمسحين عينيكِ. التفتِّ نحوي وكأنكِ تسألين هل كان ذلك سخيفًا. رفعتُ إبهامي، لا لأنكِ أنجزتِ السباحة، بل لأنكِ اقتربتِ من خوفكِ مقدار نفس واحد.

لن أقيس تقدمكِ بالمسافة وحدها. ثمة انتصارات لا تظهر في الصور النهائية: أن تدخلي المكان بعد أن بقيتِ في السيارة الأسبوع الماضي، وأن تنطقي جملة بلغة جديدة رغم ارتجافكِ، وأن ترسلي طلبًا كنتِ تمزقينه قبل الإرسال. قد لا يصفق العالم لهذه الخطوات لأنها لا تبدو كبيرة من الخارج، لكنني سأعرف وزنها من الطريق الذي قطعتِه داخلكِ. التقدم أحيانًا ليس أن تسبحي إلى الجهة الأخرى؛ هو أن تتركي الحافة نصف ثانية.

ولن أجعل المثابرة سجنًا جديدًا. إذا بدأتِ شيئًا ثم اكتشفتِ أنه لا يناسبكِ، يمكنكِ أن تتوقفي. ليس كل انسحاب فشلًا، ولا كل استمرار شجاعة. قد تتعلمين من التجربة أن رغبتكِ كانت فضولًا عابرًا، أو أن الطريق يستهلك ما لا تريدين دفعه. سأساعدكِ على التمييز بين خوف يدعوكِ إلى الهرب وحقيقة تدعوكِ إلى الاختيار، لكنني لن أطالبكِ بإكمال ما بدأتِه فقط كي تبقى الحكاية جميلة في عيني.

أريد كذلك ألا تحوّلي البداية إلى امتحان لهويتكِ. إذا تعثرتِ في الرسم، لا تقولي إنكِ بلا موهبة. وإذا أخطأتِ في أول مشروع، لا تجعلي الخطأ نبوءة عن مستقبلكِ. البدايات تجمع معلومات، لا تصدر أحكامًا نهائية. أنتِ لا ترين الشجرة كلها في البذرة، ولا تستطيعين محاكمة طريق من أول حجر. امنحي نفسكِ عددًا كافيًا من المحاولات قبل أن تقرري ما تستطيعين، وامنحيها حق أن تتعلم ببطء من غير أن تهينها كلما نسيت.

بعد قليل، أعطتكِ المدرّبة لوحًا أزرق صغيرًا وطلبت منكِ أن تمدّي جسدكِ خلفه. أمسكتِه بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعكِ. تحركتِ أقل من متر، ثم هبطت قدماكِ إلى الأرض. قلتِ إنكِ لم تفعلي شيئًا، فأشارت المدرّبة إلى موضع البداية. كان بينه وبينكِ خطّان من البلاط. نظرتِ إليهما بدهشة؛ الخوف جعل المسافة تبدو في جسدكِ أصغر مما كانت في الحقيقة. ابتسمتِ هذه المرة من غير اعتذار.

سأكون ذلك الشخص الذي يشير إلى خطّي البلاط حين تنسينهما، لا ليبالغ في إنجازكِ، بل ليعيد إليكِ الدليل. حين نكون داخل المحاولة، نرى ما بقي أكثر مما نرى ما عبرناه. سأذكركِ بأول يوم ارتجف فيه صوتكِ، وبأول صفحة لم تعرفي كيف تبدئينها، ثم أريكِ ما صار عاديًا في يديكِ. لكنني لن أجمدكِ في قصة الكفاح؛ يحق لكِ بعد الإتقان أن تنسي المشقة وتستمتعي بما تعلمتِه.

ولن أقارنكِ بمن بدأ قبلكِ. المقارنة في البدايات قسوة متنكرة في هيئة حافز. سأقارن خطوتكِ بخطوتكِ، ونَفَسكِ اليوم بنَفَسكِ أمس، إذا كان القياس يفيدكِ. أما الآخرون فلهم أجسادهم وفرصهم ومدرّبوهم ومخاوفهم التي لا نعرفها. ليس مطلوبًا أن تلحقي بأحد. يكفي أن يصبح المكان الذي كان مغلقًا أمامكِ مفتوحًا مقدارًا يسمح لكِ بالدخول.

وأرجو أن تفعلي بي الأمر نفسه حين أكون أنا المبتدئ. لا تفترضي أنني أعرف لأنني أبدو واثقًا، ولا تتركي كبريائي يختبئ خلف المزاح. إذا رأيتِني أتردد أمام خطوة جديدة، قولي إن الجهل المؤقت لا ينقصني. علّميني من غير أن تحوّلي خطئي إلى قصة مسلية للمجالس. أريد أن أستطيع أمامكِ تركيب شيء بطريقة خاطئة، أو لفظ كلمة بارتباك، ثم أتعلم من غير أن أدافع عن صورتي بدل أن أصلح محاولتي.

في الاستراحة، جلستِ على الدرجة الأخيرة والماء يصل إلى كتفيكِ. قلتِ إنكِ نادمة على السنوات التي مرّت، وإنكِ ربما كنتِ الآن تسبحين بسهولة لو بدأتِ في وقتها. فهمتُ الحزن، لكنني لم أرد أن يسرق من صباحكِ ما سرقته السنوات فعلًا. قلتُ إن المرأة التي كانت تستطيع البدء آنذاك لم تكن تملك ما تملكينه اليوم: هذه الرغبة، وهذا القرار، وهذه النسخة من نفسكِ التي جاءت رغم الخجل. لا نستطيع إعادة السنوات، لكننا نستطيع ألا نقدم لها السنة التالية أيضًا.

ثم حدث الأمر الصغير الذي سيبقى في ذاكرتي. وضعت المدرّبة اللوح على بعد ذراع منكِ، وطلبت أن تتركي الحافة وتدفعي نفسكِ نحوه. هززتِ رأسكِ أولًا، ثم أخذتِ نفسًا، وفككتِ أصابعكِ واحدة بعد أخرى. للحظة قصيرة لم تكوني ممسكة بشيء. تحرك جسدكِ فوق الماء، ووصلتِ إلى اللوح، ثم ضحكتِ بصوت ارتد عن الجدران. لم تركضي نحوي بعد ذلك، ولم تبحثي عن مديحي؛ نظرتِ إلى يديكِ كأنكِ اكتشفتِ أنهما تعرفان بداية لغة جديدة.

أحببتُ أن الفرح عاد إليكِ أنتِ أولًا. نجاحكِ لا يحتاج أن يمر عبر وجهي كي يصبح حقيقيًا. سأفرح بكِ، لكنني لا أريدكِ أن تنظري إليّ بعد كل خطوة لتعرفي قيمتها. ثقتكِ بنفسكِ ليست هدية أمنحها ثم أطالب بنصيبي منها. دوري أن أساعد على إزالة الضجيج الذي يمنعكِ من سماع نفسكِ، ثم أتنحى قليلًا حين يبدأ صوتكِ في قول: استطعتُ.

وحين تكبر مهارتكِ، لن أذكركِ دائمًا بأنكِ كنتِ تخافين. بعض الناس يحبون الاحتفاظ بالنسخة الضعيفة من الآخر لأنها تجعل تفوقهم مستمرًا. أما أنا فأريد أن أتعرف إليكِ من جديد كلما تجاوزتِ حدًّا قديمًا. إذا صرتِ أسرع مني، سأدعكِ تسبقين. وإذا أصبحتِ خبيرة فيما بدأتِه أمامي، سأطلب منكِ أن تعلميني. لا شيء في محبتكِ يشترط أن تبقي محتاجة إلى يدي بالطريقة نفسها.

انتهى الدرس، وصعدتِ السلّم ببطء، يقطر الماء من أطراف ثوب السباحة إلى البلاط. لففتُ المنشفة حول كتفيكِ، فسألتِ إن كنتُ رأيتُ اللحظة التي تركتِ فيها الحافة. قلتُ إنني رأيتها، لكن الأهم أنكِ شعرتِ بها. في غرفة الاستراحة، كتبتِ موعد الحصة التالية في هاتفكِ قبل أن يجف شعركِ. لم تعودي المرأة التي تؤجل أسبوعًا آخر؛ صرتِ امرأة لها يوم محدد تعود فيه إلى الماء.

لهذا، كلما همست لكِ فكرة جديدة ثم أخافكِ عمرها المتأخر، اذهبي إليها قبل أن يحولها الخجل إلى حسرة أخرى. ارتدي جهل البداية كما ارتديتِ منشفتكِ ذلك الصباح: شيئًا مؤقتًا يحميكِ حتى يدفأ جسدكِ. سأمشي معكِ إلى الباب، وأحمل ما يثقل يديكِ، وأبقى حيث تستطيعين رؤيتي إذا احتجتِ، لكن الخطوة ستكون لكِ. وحين تتركين الحافة، لن أقول إنني أنقذتكِ من الماء؛ سأعرف أنكِ أنتِ من وثقتِ بالماء وبجسدكِ مقدار لحظة. تلك اللحظة تكفي كي يبدأ العمر من جديد، لا من أوله، بل من الموضع الذي قررتِ فيه أخيرًا أن ما فاتكِ لا يملك حق منعكِ مما بقي.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً