الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

لصمتكِ مقعدٌ بيننا

دخلنا استوديو التسجيل الصغير بعد الغروب، نحمل كوبين من الشاي وورقةً كتبتِ عليها حكاية قصيرة. أردتِ أن تسجّليها بصوتكِ هديةً لطفلة تحب سماعكِ قبل النوم. كانت الجدران مكسوّة بطبقات داكنة تمتص الصدى، وفي الوسط ميكروفون واحد تحيط به دائرة من الضوء الخافت. جلستِ أمامه، وضعتِ السماعتين، ثم أشرتِ إليّ من خلف الزجاج أن أبدأ. ضغطتُ الزر، وبدأ صوتكِ يملأ الغرفة واضحًا ودافئًا، كأن المكان الضيق اتسع فجأة لسرير بعيد ونافذة صغيرة وعينين تقاومان النعاس.

بعد دقائق انطفأ المصباح عند قاعدة الميكروفون، وتوقف الخط المضيء على الشاشة. لم تنتبهي فورًا؛ واصلتِ القراءة، تحركت شفتاكِ بينما لم يصلني شيء. رفعتُ يدي كي تتوقفي، فنزعتِ السماعة وسألتِ إن كنتِ أخطأتِ. قلتُ إن العطل من الجهاز، لا منكِ. حاولنا تشغيله مرة، ثم ثانية، وبقي صامتًا. اعتذرتِ كأنكِ مسؤولة عن صمت آلة، وبدأتِ تجمعين الورقة وتقولين إننا نستطيع العودة يومًا آخر. لكنني فتحتُ الباب وجلستُ إلى جواركِ بدل أن أبحث عن زر جديد.

كان الهدوء داخل الغرفة مختلفًا عن هدوء البيوت. لا سيارة تعبر، ولا ثلاجة تطن، ولا إشعار يقطع النفس. سمعنا فقط احتكاك كمّكِ بحافة الكرسي، ونقرة الملعقة حين وضعتِها في الكوب. في البداية بدوتِ مرتبكة، كما لو أن الصمت فراغ يجب أن يملأه أحدنا بسرعة. قلتِ جملة عن الطقس، ثم أخرى عن الطريق، وبعدها ضحكتِ لأنكِ عرفتِ أنكِ تتكلمين كي لا يبقى بيننا شيء غير منطوق. قلتُ لكِ: ليس علينا إصلاح هذه الدقيقة. فوضعتِ الورقة على الطاولة، وأسندتِ رأسكِ إلى الجدار.

منذ ذلك المساء وأنا أفكر في مقدار الكلام الذي يضطر الإنسان إلى إنتاجه كي يطمئن الآخرين. يسألونه ما به، فإذا قال إنه لا يعرف، ضاقوا بإجابته. وإذا طلب وقتًا، ظنوا أنه ينسحب منهم. وربما تعلّمتِ أنتِ أن تشرحي تعبكِ قبل أن تسمحي لنفسكِ بالشعور به، وأن تمنحي كل دمعة سببًا مفهومًا، وكل ابتعاد موعدًا دقيقًا للعودة. كأن قلبكِ موظف استقبال لا يحق له إغلاق النافذة حتى يعلّق بيانًا يرضي المنتظرين.

معي، لا أريد أن يكون الكلام ضريبة القرب. تستطيعين أن تجلسي إلى جواري من غير قصة، وأن تمشي معي من غير أن تبحثي عن موضوع، وأن تستيقظي صباحًا ولا تملكي نسخة مرتبة مما حدث في داخلكِ ليلًا. لن أعتبر صمتكِ إهانة تلقائية، ولن أطرق عليه بأسئلتي حتى ينفتح من الخوف. سأخبركِ أنني حاضر، ثم أترك للجملة وقتها إن كانت تتكوّن، وللشعور حقه إن لم يجد جملة أصلًا.

هذا لا يعني أنني سأفسر كل صمت على أنه حكمة. قد يكون وراءه حزن يحتاج إلى مساعدة، أو خلاف نخشى مواجهته، أو تعب جسدي ينبغي ألا نهمله. سأنتبه من غير أن أتسلط، وأسأل مرة بوضوح: هل تريدين أن أقترب، أم أمنحكِ مساحة؟ وإذا لم تعرفي، يمكننا أن نبدأ بأصغر ما تستطيعين قوله: ابقَ هنا، أو اتركني قليلًا، أو لا تسأل الآن. لا أحتاج تقريرًا كاملًا كي أحترم احتياجًا صادقًا.

وأريدكِ أن تعرفي الفرق بين المساحة والعقوبة. لن أختفي في الصمت كي أجعلكِ تتوسلين معرفة ما فعلتِ، ولن أترك رسائلكِ معلقة وأنا قادر على قول إنني متعب وأحتاج إلى ساعة. الصمت الذي يصون القلب يضع علامة صغيرة على الطريق إلى العودة؛ أما الصمت الذي يعاقب، فيطفئ الأنوار ويستمتع بارتباك الآخر. إذا احتجتُ إلى الابتعاد، سأسمّي حاجتي وأعطيكِ قدرًا من اليقين، لأن حبكِ لا ينبغي أن يتحول إلى تخمين مؤلم.

وأرجو منكِ ألا تجعلي صمتكِ امتحانًا لي أيضًا. لا تنتظري أن أكتشف الجملة الصحيحة من تغير أنفاسكِ، ثم تحاسبينني لأنني لم أصل إليها. أنا أريد أن أتعلم إشاراتكِ، لكنني لن أصير قارئًا للغيب. قولي ما تستطيعين حين يصبح القول ممكنًا، حتى لو كان ناقصًا أو مترددًا. يمكن للكلام أن يبدأ هكذا: أنا منزعجة ولا أعرف لماذا، أو أعرف لكنني لا أقدر أن أحكي الآن. الجملة غير المكتملة جسر، وليست فشلًا.

في الاستوديو، مرّت دقائق لم نسعَ إلى عدّها. نزعتِ السماعتين ووضعتهما على الطاولة، ثم أغمضتِ عينيكِ. لم تكوني حزينة ولا غاضبة؛ كنتِ فقط مستريحة من أداء الحضور. رأيتُ عضلات وجهكِ تهدأ حين توقفتِ عن إعداد الردود، وكتفيكِ ينخفضان قليلًا. أحببتُ تلك النسخة منكِ التي لا تحاول أن تبدو ممتعة، ولا لطيفة، ولا قوية. لم يكن الصمت نقصًا فيكِ؛ كان عودةً إلى مقاسكِ الحقيقي بعد يوم قضيتِه تتسعين للناس.

أحيانًا أخشى أن نمدح في الحب القدرة على الحديث وننسى القدرة على السكوت معًا. البدايات تمتلئ بالأسئلة؛ نريد معرفة كل شيء، ونخاف أن تنتهي الموضوعات فينتهي معها السحر. لكن القرب ينضج حين لا نحتاج إلى إثباته كل دقيقة. حين أستطيع أن أقرأ وأنتِ قرب النافذة، أو تقودين السيارة وأنا أتابع الطريق، من غير أن يفسر أحدنا هدوء الآخر فتورًا. ليس كل فراغ بين جملتين شقًّا؛ بعض الفراغ هو المكان الذي يتنفس فيه المعنى.

سأحترم صمتكِ الاجتماعي أيضًا. إذا جلسنا بين الناس ولم تشتهي الكلام، لن أعلن أنكِ خجولة، ولن أشرح مزاجكِ نيابةً عنكِ. لن أوجه إليكِ سؤالًا محرجًا فقط كي أدفعكِ إلى المشاركة، أو أقول للجميع إنكِ عادةً أكثر مرحًا. يمكنكِ أن تكوني حاضرة بإنصاتكِ، أو أن تغادري حين يرهقكِ المجلس. قيمتكِ لا تُقاس بعدد القصص التي رويتها ولا بقدرتكِ على إنقاذ سهرة من سكونها.

وحين تتكلمين بعد صمت طويل، لن أقاطعكِ لأنني خزّنت أجوبة كثيرة. سأدعكِ تصلين إلى نهاية المعنى قبل أن أرتب دفاعي. أعرف أن الانتظار قد يجعلني متوترًا، وقد أملأ الغياب بافتراضات تبرئني أو تدينكِ، لكنني سأعاملها بوصفها افتراضات لا حقائق. ما لم تقوليه ليس تصريحًا لي أن أكتب روايتي وحدي. سأبقي مكانًا فارغًا للحقيقة التي ستأتين بها، ولو غيّرت الصورة التي بنيتُها.

وقد تقولين إنكِ لا تريدين الحديث أبدًا عن شيء ما. عندها سأحتاج إلى أن أعرف إن كان ذلك الشيء يمس حقًا مشتركًا بيننا. خصوصيتكِ حق، لكن القرارات التي تغيّر حياتنا لا تستطيع أن تعيش خلف باب مغلق. سنفرّق بهدوء بين سر يخصكِ وحدكِ ومعلومة يحتاج إليها الأمان بيننا. لن أقتحم ما لا يعنيني باسم الحب، ولن أقبل أن يُحجب عني ما يجعل مشاركتي وهمًا. الصمت الرحيم لا يلغي المسؤولية؛ يمنحها وقتًا وطريقةً أقل قسوة.

وأنا أيضًا أريد أن أخلع أمامكِ عادة الكلام حين يكون الكلام درعًا. ربما أشرح كثيرًا كي لا أعترف بأنني مرتبك، أو أمزح كي لا ترين حزني، أو أحوّل الشعور إلى تحليل طويل حتى لا أعيشه. إذا قلتِ لي يومًا: لا تفسّر، اجلس فقط، سأحاول ألا أعد طلبكِ تقليلًا من عقلي أو جهدي. قد تكونين ترين أنني أختبئ داخل الكلمات، وأن أقصر طريق إليّ في تلك اللحظة هو أن أتوقف عن بناء الطرق.

فجأة اشتغل الميكروفون وحده، وأضاءت قاعدته من جديد. نظرنا إليه، ثم إليّ، وقلتِ إن علينا متابعة التسجيل قبل أن يغيّر رأيه. عدتُ خلف الزجاج، وعدتِ إلى الورقة. لكنكِ حين بدأتِ القراءة، كان صوتكِ أبطأ وأعمق. وصلتِ إلى موضع تقول فيه الطفلة في الحكاية إنها تخاف الغابة لأنها لا تسمع شيئًا، فتوقفتِ لحظة، ثم قرأتِ أن الأشجار لا تكون صامتة؛ هي تتحدث بأوراقها حين يمر الهواء.

لم تكن الجملة في نسختكِ الأولى. رفعتِ عينيكِ إليّ، فعرفتُ أنكِ أضفتِها في الغرفة حين ظننا أن التسجيل تعطل. أحببتُ أن الصمت لم يسرق الحكاية، بل منحها سطرًا لم يكن فيها. ليس مطلوبًا أن تكون كل لحظة ساكنة مفيدة، ولا أن تخرج كل استراحة بحكمة، لكن بعض المعاني لا تدخل ما دمنا نغطي الباب بالكلام. حين هدأنا، سمعنا شيئًا كان ينتظر أن يقل الضجيج.

أكملتِ الحكاية، ثم بقيتِ ساكنة بعد الجملة الأخيرة. أشرتُ إليكِ أن التسجيل ما زال يعمل، فابتسمتِ ولم تتعجلي إيقافه. تركتِ ثانيتين أو ثلاثًا قبل أن تقولي للطفلة: تصبحين على خير. حين استمعنا إلى المقطع لاحقًا، كانت تلك الثواني أجمل جزء فيه. لم تكن فارغة؛ حملت دفء النفس بعد الحكاية، والإحساس بأن من يروي لم يغلق الباب فورًا، بل بقي قليلًا قرب السرير.

أريد أن يكون وجودي معكِ مثل تلك الثواني. لا يطالبكِ بإضافة شيء كي يستحق البقاء، ولا ينسحب حالما تنتهي الحكاية. إذا فرغت كلماتكِ، لن أتعامل معكِ كجهاز توقف عن أداء وظيفته. سأظل قريبًا، أرتب الكوبين، وأراقب الضوء، وأشارككِ الوقت الذي لا يحدث فيه ما يصلح للرواية. فالحب لا يتكوّن فقط من الجمل التي نتذكرها؛ يتكوّن أيضًا من السكينة التي لم يهرب منها أحد.

حين عدنا إلى البيت، شغّلنا التسجيل مرة أخيرة. جلستِ على الأريكة، وأطفأتِ المصباح، وسمعنا صوتكِ يملأ الغرفة ثم يتوقف في النهاية. قلتِ إنكِ كنتِ تفكرين طوال عمر الحكاية فيما ستقولينه بعد كل سطر، إلا في الدقائق التي تعطل فيها الميكروفون. هناك فقط، لم تكوني مطالبة بأن تسبقي اللحظة. وضعتِ رأسكِ على كتفي، وبقينا حتى انتهى الملف وعادت الغرفة إلى هدوئها الطبيعي.

لهذا، حين لا تملكين كلامًا، لا تستعيري جملًا لا تشبهكِ كي تطمئنيني. أعطيني الإشارة الصغيرة التي تحفظ الطريق بيننا، ثم خذي وقتكِ. سأتعلم ألا أملأ كل سكون بخوفي، وألا أطالبكِ بشرح نفسكِ وأنتِ ما زلتِ تحاولين سماعها. وحين يعود صوتكِ، سأستقبله من غير عتاب على تأخره؛ وحين لا يعود سريعًا، سأعرف أن حضوركِ ليس أقل حقيقة لأنكِ هادئة.

لصمتكِ مقعدٌ بيننا، لا كرسي تحقيق ولا زاوية منفى. اجلسي فيه حين تتعب الكلمات، واتركي قربكِ يتحدث بما يستطيع: يدٌ فوق يدي، نفسٌ يهدأ، أو مجرد بقاء في الغرفة نفسها. وسأحفظ لصمتي المعنى ذاته، فلا أجعله بابًا مغلقًا في وجهكِ ولا سلاحًا أخفيه خلف الهدوء. أريدنا أن نتكلم بصدق حين يلزم الكلام، وأن نصمت بأمان حين لا يلزم شيء؛ حتى إذا انطفأ كل صوت من حولنا، بقي بيننا ما يُسمع من دون ميكروفون.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً