الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

حنينكِ يوسّع بيتنا

دخلنا المخبز مصادفة قبل إغلاقه بدقائق. كان المطر قد دفعنا إلى أول باب مضاء في الشارع، ولم نكن نبحث إلا عن مكان ننتظر فيه حتى يخف. خلف الزجاج، كان الخباز يرفع أرغفة مستديرة من صينية سوداء، فتسري في الهواء رائحة سمسم محمّص وعجين ساخن. كنتِ تنفضين الماء عن كمّ معطفكِ حين توقفتِ فجأة. لم تنظري إلى الرفوف، بل أغمضتِ عينيكِ كأن الرائحة وصلت إلى موضع لا أراه، ثم قلتِ بصوت خافت: هكذا كان يفوح فناء بيتنا صباحًا.

لم تشرحي أي بيت تقصدين؛ عرفته من الطريقة التي استقامت بها أصابعكِ فوق حافة الطاولة. كان البيت الذي غادرتِه وبقيت تفاصيله تعمل فيكِ: صوت باب، وبرودة بلاط، ونداء يأتي من غرفة أخرى. اشترينا رغيفين، وجلسنا عند الطاولة الوحيدة قرب الفرن. قطعتِ طرفًا صغيرًا، شممتِه قبل أن تتذوقيه، ثم ابتسمتِ واغرورقت عيناكِ في اللحظة نفسها. حاولتِ أن تضحكي على ارتباككِ وقلتِ إن الأمر مجرد خبز، لكنني رأيتُ مدينة كاملة تمر في وجهكِ.

مددتُ يدي نحوكِ، ثم تركتُها على الطاولة حين شعرتُ أنكِ لا تحتاجين إلى أن أوقف ما يحدث. لم أقل لكِ إن الماضي انتهى، ولم أذكّركِ بأن لدينا الآن بيتًا جميلًا وأيامًا تستحق الفرح. بقيتُ معكِ في تلك الدقيقة كما هي: نصفها دفء ونصفها وجع، وفيها امتنان لأن الرائحة عادت وحزن لأنها لا تستطيع أن تعيد كل من كان حولها. تعلّمتُ أن الحنين لا يطلب علاجًا دائمًا؛ أحيانًا يطلب فقط ألا يُتهم بالخيانة.

أريدكِ أن تعرفي أن اشتياقكِ إلى مكان سبقني لا ينتقص من مكاننا. لستُ في منافسة مع شارع عرف خطواتكِ الأولى، ولا مع نافذة حفظت انتظاركِ، ولا مع مائدة كان لكِ عليها مقعد قبل أن أعرف اسمكِ. تلك الأشياء لا تقف بيني وبينكِ؛ إنها تقف خلفكِ، تحمل أجزاء من المرأة التي وصلت إليّ. وحين تلتفتين إليها، لن أمسك وجهكِ وأديره نحوي خوفًا من أن أخسركِ. سألتفت معكِ، وأحاول أن أرى ما ترينه من غير أن أدّعي أنه صار لي.

قد تحكين لي الحكاية نفسها أكثر من مرة. ربما تنسين أنكِ أخبرتِني عن الدرج الذي كان يصرّ في الشتاء، أو عن الجارة التي ترسل طبقًا عند الغروب، أو عن الشجرة التي لم تعرفي اسمها إلا بعد رحيلكِ. لن أقول إنني سمعت ذلك من قبل كأن التكرار خطأ. الذاكرة تعود إلى بعض الأماكن لأنها لم تنتهِ من وداعها، وفي كل عودة قد تمنحنا تفصيلًا جديدًا. سأصغي لا لأجمع معلومات عن ماضيكِ، بل لأفهم الإيقاع الذي ما زال يسكن كلامكِ.

ولن أطلب منكِ أن تجعلي ذكرياتكِ جميلة كلها كي أحتملها. قد يكون المكان الذي تشتاقين إليه قد آذاكِ أيضًا، وقد تحنين إلى شخص خذلكِ، أو إلى زمن كنتِ فيه أقل حرية لكنكِ لم تكوني تعرفين ثقل ما سيأتي. المشاعر لا تحترم الجداول المنطقية؛ تستطيعين أن تفتقدي ما لا تريدين العودة إليه. لن أحاصركِ بسؤال: إذا كان مؤلمًا فلماذا تشتاقين؟ سأفهم أن القلب قد يحن إلى الضوء الذي كان يدخل الغرفة من دون أن يحن إلى كل ما حدث داخلها.

وفي المقابل، لن أحوّل حنينكِ إلى صورة شاعرية تخفي صعوبته. أعرف أن الفقد ليس دائمًا دمعة رقيقة أمام رغيف. قد يأتي على هيئة ضيق مفاجئ في يوم سعيد، أو نفور من موسم يحبه الجميع، أو صمت بعد مكالمة قصيرة. قد تسمعين خبرًا عن المكان فلا تعرفين هل تقتربين أم تبتعدين. سأترك لشعوركِ حقه في التناقض، ولن أطالبكِ بأن تكوني سفيرة دائمة لذاكرتكِ، تشرحينها لي بلطف كلما أربكتني.

إذا نطقتِ كلمة بلهجتكِ القديمة، فلن أصححها ولا أحولها إلى طرفة. وإذا طبختِ طعامًا بالطريقة التي اعتادها أهلكِ، فلن أطلب نسخة أخف من رائحته كي يناسب البيت. أريد لما جاء معكِ أن يظهر من غير استئذان زائد: أسماء الأشياء، وطريقة طيّ القماش، والأغنية التي تعرفين نصفها، والعادة التي لا تفسير لها سوى أنها كانت تُفعل هكذا. ليس ضروريًا أن نتبنى كل ما ورثناه، لكن من حقكِ أن تعرضيه في الضوء قبل أن تختاري ما يبقى وما يتغير.

ولن أجعل تعلّمي عن عالمكِ استعراضًا. قد أسألكِ كيف تُقال كلمة، أو لماذا تُقدَّم القهوة في وقت معين، أو ما الذي يجعل رائحة هذا الخبز مختلفة. لكنني لن أتعامل مع إجاباتكِ كغرائب ممتعة أرويها للناس. ما تفتحينه لي من طفولتكِ ليس معرضًا سياحيًا؛ إنه جزء حميم من حياتكِ. سأحمله باحترام، وأعرف أن معرفتي بالتفاصيل لا تجعلني صاحبها، بل تجعلني أكثر مسؤولية عن ألا أختصرها أو أزيّنها لسهولة الحكاية.

في المخبز، سألكِ الرجل خلف المنضدة إن كنتِ تريدين كيسًا آخر من الأرغفة. ترددتِ، ثم قلتِ إن اثنين يكفيان. عرفتُ أنكِ كنتِ تريدين أن تأخذي الرائحة كلها معكِ، لكنكِ خشيتِ أن يبدو تعلقكِ مبالغًا فيه. طلبتُ رغيفين إضافيين، لا لأشتري لكِ الماضي، بل كي لا تضطري إلى الاقتصاد في فرحة عابرة. نظرتِ إليّ معترضة، ثم قلتِ إن الخبز سيجف. أجبتُ بأننا نستطيع تجميده، فضحكتِ لأنني وجدتُ حلًا منزليًا لشيء أكبر من المنزل.

أنا لا أتوهم أنني أستطيع إعادة ما فات. لن أبني لكِ نسخة مزيفة من الحي، ولن أظن أن طبقًا أو أغنية أو زيارة قصيرة تمحو سنوات البعد. بعض الأشياء لا تُستعاد؛ تُحمل فقط بطريقة أقل وحدة. دوري ليس أن أملأ مكان كل غائب، ولا أن أجعلكِ ممتنة للحاضر إلى حد يمنعكِ من الحزن على الماضي. يكفيني أن أكون الشخص الذي تستطيعين أمامه قول «اشتقت» من غير أن يسمعها اتهامًا بأنه لم يكن كافيًا.

وقد يكون حنينكِ إلى نسخة منكِ، لا إلى مكان. إلى فتاة كانت تمشي أخف، أو تملك وقتًا أطول، أو تؤمن بأشياء تغيرت. لن أطلب منكِ الرجوع إليها كي أتعرف عليها، ولن أغار منها لأنها عاشت عمرًا لم أكن فيه. احكي لي عنها كما تحبين: أخطائها، وشجاعتها، وما كانت تظنه نهاية للعالم. سأراها فيكِ من غير أن أحتجزكِ داخلها. فالوفاء للماضي لا يعني أن نكرر أنفسنا، بل أن نعترف بمن أوصلنا إلى هنا ثم نسمح له أن يواصل التبدل.

وأرجو أن تمنحيني الرحابة نفسها. لديّ أنا أيضًا أماكن قد يصغر صوتي حين أذكرها، وأشخاص لا يزاحمكِ حضورهم في ذاكرتي. قد أحتاج يومًا إلى أن أتوقف أمام رائحة أو صورة، وأصبح بعيدًا للحظة وأنا واقف بقربكِ. لا تسارعي إلى ملء المسافة بالخوف. اسأليني إن كنتُ أريد الكلام، ثم ثقي أن عودتي إلى ذكرى لا تعني أنني أبحث عن مخرج من حياتنا. يستطيع الإنسان أن يحب ما بين يديه بصدق، وأن يتحسر على ما أفلت منه بصدق آخر.

لا أريد لبيتنا أن يكون صفحة بيضاء تمحو ما قبلها. أريده مكانًا تتجاور فيه آثارنا من غير أن يبتلع أحدها الآخر: كوب بالطريقة التي تحبينها، وعبارة جاءت من عائلتي، ورائحة اعتدتِها في الصباح، وعادة اخترعناها نحن ولم يرثها أحد. سنختلف أحيانًا على ما يبقى، وسنحتاج إلى التنازل والتجربة، لكن الهدف ليس أن ينتصر ماضي واحد. الهدف أن نصنع حاضرًا واسعًا بما يكفي ليظهر أصل كل منا من دون أن يتحول الأصل إلى قانون.

حين عدنا إلى المنزل، وضعتِ الأرغفة على الطاولة، ثم بحثتِ عن قطعة قماش نظيفة ولففتِها بالطريقة التي كانت تفعلها امرأة لم تذكري اسمها. لم أسألكِ فورًا من علمكِ؛ رأيتُ أن السؤال قد يقطع الخيط الرفيع الذي وصل يديكِ بيديها. جلستُ قبالتكِ بينما أعددتِ كوبين من الشاي، وكسرتِ الرغيف بدل أن تقطعيه. سقطت حبات السمسم على الخشب، فجمعتِها بطرف إصبعكِ وأكلتِها واحدة واحدة، وفي ملامحكِ راحة تشبه وصول مسافر لم يتحرك من مكانه.

قلتِ بعد صمت إنكِ تخافين أحيانًا أن تنسي. تخافين أن تتغير الرائحة في ذاكرتكِ، وأن تلتبس الوجوه، وأن تروي حادثة فتكتشفين أن ترتيبها لم يعد واضحًا. لم أقل إنكِ لن تنسي؛ فالذاكرة بشرية، وما فيها يتبدل كلما استعدناه. قلتُ إنكِ لستِ مضطرة إلى حفظ كل شيء وحدكِ. يمكنكِ أن تحكي، وأن تكتبي، وأن تطبخي، وأن تتركي عندي بعض التفاصيل. سأكون شاهدًا متواضعًا، لا خزنة تدّعي أنها تمنع الزمن، بل شخصًا يساعدكِ على حمل ما تختارين إبقاءه.

لكنني لن أذكّركِ بما شاركتِه في وقت لا تريدينه. ما تعطينه لي عن بيتكِ القديم لا يصبح مفتاحًا أفتح به حزنكِ متى أحببت. لن أفاجئكِ في مناسبة سعيدة بصورة قد تؤلمكِ، ولن أدعوكِ إلى حديث عائلي أمام الآخرين لأنني أظن أنه سيقربنا. سأتعلم أن للذكرى موسمًا يحدده صاحبها. يمكنني أن أحتفظ بالتفصيل بمحبة، وأن أنتظر حتى تمدّي يدكِ إليه، فالرعاية ليست فقط أن نحفظ الأشياء؛ إنها أن نعرف متى نتركها هادئة.

وفي الأيام التي يشتد فيها الحنين، لن أقترح عليكِ الامتنان كدواء. أعرف أن في حياتنا خيرًا، وأن هناك من يحبكِ الآن، لكن تعداد النعم فوق قلب مشتاق قد يجعله يشعر بالذنب بدل الراحة. سأذكركِ بالحاضر حين تطلبين مني ذلك، لا لأثبت أن الماضي أقل شأنًا. يمكننا أن نكون ممتنين وحزانى في اللحظة نفسها. يمكن أن يكون بيتنا دافئًا، وأن تبكي مع ذلك على فناء لن تدخليه الليلة. المشاعر المتجاورة لا تلغي بعضها؛ هي فقط تجعل الإنسان أوسع مما يبدو.

تركنا رغيفًا على الطاولة حتى الصباح، فاستيقظ البيت على رائحته. وجدتكِ في المطبخ قبل أن يغلي الماء، تمررين كفكِ فوق قطعة القماش ثم تفتحينها ببطء. لم تكوني حزينة كما كنتِ في المخبز، ولم تكوني قد تجاوزتِ شيئًا نهائيًا. كنتِ أكثر تصالحًا مع وجود مكانين في قلبكِ. أعطيتِني قطعة، وانتظرتِ رأيي. قلتُ إن طعمه دافئ، فضحكتِ وقلتِ إن الدفء ليس طعمًا. ربما كنتِ محقة، لكنني لم أجد كلمة أدق لما وصلني منكِ.

منذ ذلك الصباح، صار الخبز جزءًا صغيرًا من أيامنا، لا طقسًا ثقيلًا ولا نصبًا للماضي. نشتريه أحيانًا، وننساه أحيانًا، وقد نحرق طرفه لأننا انشغلنا بالكلام. هكذا أريده أن يعيش بيننا: طبيعيًا، متاحًا، غير مطالب بأن يؤدي كل مرة معجزة الاستعادة. فالذكرى حين تجد مكانًا آمنًا لا تحتاج إلى الصراخ عند كل ظهور. يكفيها أن تعرف أنها لن تُطرد إذا عادت، وأن من تحب لن يضيق بها لأنها تحمل معها زمنًا آخر.

لذلك، إذا باغتتكِ رائحة في شارع، أو أوقفتكِ كلمة، أو ردّكِ لون السماء إلى مساء بعيد، فلا تعتذري عن ابتعاد عينيكِ لحظة. سأبقى قربكِ من غير أن أجرّكِ إلى هنا قبل أن تكملي زيارتكِ القصيرة. وحين تعودين، يمكنكِ أن تخبريني بما رأيتِ أو أن تصمتي؛ لن أطالب الحنين بتقرير. يكفيني أن تعرفي أن ماضيكِ لا يقف خارج حياتنا مبتلًا ينتظر الإذن. له عندنا دفء، وله على مائدتنا موضع، وحنينكِ لا يضيّق بيتنا؛ إنه يوسّعه كي يتسع لكِ كاملة.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً