تحت قوس الزجاج الأزرق في حوض الأحياء المائية، كانت الأسماك تمر فوق رؤوسنا كأفكار لا تطلب أن تُقال. مضى الزوار من حولنا بأصواتهم وكاميراتهم، بينما تباطأتِ أنتِ أمام سلحفاة بحرية كبيرة كانت تحرك زعانفها في الماء بلا استعجال. لم تشرحي سبب توقفكِ، ولم تقولي إن يومكِ كان أثقل مما توقعتِ. جلستِ على المقعد المنخفض قرب الزجاج، وبقيتِ تنظرين إلى العتمة المضيئة في الجهة الأخرى. جلستُ إلى جواركِ، وفي رأسي أسئلة كثيرة، لكن وجهكِ طلب مني شيئًا أكثر رقة من السؤال.
في البداية كدتُ أملأ المسافة بالكلام. أردتُ أن أسألكِ عما حدث في العمل، ومن أزعجكِ، ولماذا صرتِ بعيدة منذ الظهيرة. تهيأتُ لأعرض حلولًا قبل أن أعرف المشكلة، كأن الحب يثبت نفسه بسرعة الاستجابة. ثم رأيتُ أصابعكِ تستقر على حافة المقعد، لا منقبضة ولا مرتاحة تمامًا، ورأيتُ عينيكِ تتبعان السلحفاة وهي تختفي خلف صخرة مغمورة. فهمتُ أن أكثر ما تحتاجينه في تلك اللحظة ألا يطالبكِ أحد بتحويل تعبكِ إلى تقرير مفهوم.
أغلقتُ هاتفي ووضعته في جيبي. لم ألمسكِ فورًا، ولم أعلن أنني سأترك لكِ مساحة؛ فحتى هذا الإعلان كان سيصبح كلامًا جديدًا عليكِ أن تستقبليه. بقيتُ فحسب. بعد دقائق، تحركت يدكِ على المقعد حتى لامست خنصري، ثم أدخلتِ أصابعكِ بين أصابعي من غير أن تنظري إليّ. كانت تلك الحركة جملة كاملة، لا لأنها كشفت كل ما فيكِ، بل لأنها قالت القدر الذي استطعتِ قوله: أنا لا أريد أن أكون وحدي، لكنني لا أقدر الآن على الكلام.
منذ ذلك المساء، صرتُ أفكر في الصمت الذي يسكن بين حبيبين. الناس يخافونه غالبًا، فيعاملونه كفراغ ينبغي ملؤه بأي عبارة، أو كإنذار يدل على أن المودة انطفأت. لكنني عرفتُ معكِ أن للصمت وجوهًا كثيرة. هناك صمت يستريح، وصمت يرتب الفوضى، وصمت يخشى أن تنكسر الجملة إذا خرجت قبل أوانها. وهناك صمت لا يحمل سرًّا كبيرًا أصلًا؛ مجرد روح تعبت من شرح نفسها طوال اليوم وتريد أن تجلس قرب من تحب من غير أداء إضافي.
لن أطالبكِ بأن تكوني ممتعة دائمًا كي أطمئن إلى قربكِ. لا يلزم أن تحضري إليّ بحكاية، أو فكرة لامعة، أو ضحكة جاهزة. تستطيعين أن تأتي بما بقي منكِ في نهاية النهار، حتى إن كان ما بقي قليلًا وهادئًا. سأعرف أن جلوسكِ بجواري مشاركة، وأن كتفكِ حين يلامس كتفي قد يكون أصدق من حديث طويل. الحب الذي لا يحتمل السكون يصير مسرحًا، ويضطر صاحبيه إلى تمثيل الحيوية حتى وهما يحتاجان إلى إطفاء الأنوار والجلوس خلف الستار.
ومع ذلك، لن أدّعي أنني أفهم كل صمت يصدر منكِ. لا أريد أن أصنع من انتباهي غرورًا جديدًا، فأفسر نظرة واحدة وأبني عليها حكاية كاملة. قد أظن أنكِ حزينة بينما أنتِ شاردة، أو أظن أنكِ تحتاجين إلى العناق بينما جسدكِ يريد مسافة. لذلك سأسألكِ سؤالًا بسيطًا لا يستجوبكِ: هل تريدينني قريبًا أم تريدين وقتًا وحدكِ؟ وإذا قلتِ إنكِ لا تعرفين، فلن أعدّ جوابكِ نقصًا؛ سأبقى واضحًا، وأدع حاجتكِ تتبين بهدوء.
أرجو فقط أن نفرّق معًا بين الصمت الذي يحمينا والصمت الذي يعاقبنا. الأول يبقي خيطًا ظاهرًا، حتى لو كان رفيعًا: لمسة، أو كلمة «ليس الآن»، أو وعد بالعودة حين تهدأ النفس. أما الثاني فيغلق كل الطرق، ويترك الآخر يتخبط بين الذنب والخوف، ثم يراقب ارتباكه من بعيد. لا أريد أن نستخدم الغياب سلاحًا، ولا أن نجعل أحدنا يدفع ثمن الخلاف بحرمانه من أي علامة أمان. لنا حق التوقف، وليس لنا أن نحول التوقف إلى زنزانة.
سأقول لكِ حين يؤلمني صمتكِ بدل أن أتهمكِ بالبرود. سأقول: أشعر بأنني بعيد، هل يمكن أن تخبريني متى نستطيع الكلام؟ هذه العبارة أعدل من أن أضع نية قاسية داخل قلبكِ ثم أحاكمكِ عليها. وأريد منكِ الشيء نفسه إذا انغلقتُ أنا؛ ناديني من دون خوف، وذكّريني أن المسافة بيننا تحتاج اسمًا ومدة. قد لا أملك الكلام في اللحظة نفسها، لكنني أستطيع أن أمنحكِ موعدًا صادقًا، وأن أعود إليه كما يعود المرء إلى أمر يعرف قيمته.
مرّت فوقنا في الحوض سمكة شيطان البحر، عريضة كجناح يتحرك ببطء. رفع عدد من الزوار هواتفهم، وانعكس ضوء الشاشات على الزجاج. بقيتِ ممسكة بيدي، ثم أملتِ رأسكِ على كتفي. لم ألتقط صورة، مع أن المشهد كان جميلًا. شعرتُ أن الكاميرا ستدفعكِ إلى خارج اللحظة، فتسألين كيف يبدو وجهكِ بدل أن تبقي حيث أنتِ. بعض القرب لا يحتاج إلى إثبات؛ يكفي أنه غيّر تنفسنا ونحن داخله.
أحب أن أتعلم لغتكِ التي لا تعتمد كلها على الكلمات. أعرف الآن أن طريقتكِ في تقريب كوب الماء مني سؤال عن حالي، وأن ترتيبكِ لطرف بطانيتي قبل النوم عناية لا تحتاج إلى إعلان. وأعرف أن جلوسكِ في الجهة نفسها من الغرفة، حتى وأنتِ منشغلة بكتابكِ، قد يكون اختيارًا للقرب. لكنني لن أحول هذه العلامات إلى بديل دائم عن الحديث. الإشارات تمنح المحبة ملمسها، أما الأمور التي تمس الحقوق والحدود والمستقبل فلا ينبغي أن نتركها للتخمين.
حين يكون الموضوع مهمًا، سأنتظر استعدادكِ من غير أن أسمح له بأن يضيع. يمكننا أن نكتب ما نعجز عن قوله، أو نمشي ونحن نتحدث كي لا تتقابل أعيننا طوال الوقت، أو نختار صباحًا أهدأ. ليست الشجاعة في أن نفتح كل حديث لحظة اشتعاله؛ أحيانًا تكون في اختيار الوعاء الذي يحتمل الحقيقة من دون أن يسكبها علينا. سأساعدكِ على العثور على الطريقة التي توصل صوتكِ، لا الطريقة التي تجعلني أنا أسرع وصولًا إلى راحتي.
وأنا أيضًا أحتاج إلى مكان لا أشرح فيه نفسي كل دقيقة. قد أجلس قربكِ مثقلًا، ولا أعرف بعد إن كان ما أشعر به خوفًا أم خيبة أم مجرد إرهاق. في تلك الحال، لا أطلب منكِ قراءة عقلي، بل قبول النسخة غير المرتبة مني قليلًا. سأخبركِ بما أعرف: أن الأمر ليس ذنبكِ، وأنني لا أنسحب منكِ، وأنني سأشارككِ حين تتضح العبارة. هذه الكلمات القليلة تمنع صمتي من أن يتحول إلى ظل تسكنه أسوأ احتمالاتكِ.
كم يبدو مطمئنًا أن نستطيع قضاء وقت معًا من غير أن ننتج شيئًا يروى. لا موعد استثنائيًا، ولا نقاشًا عميقًا، ولا اعترافًا يغير الحياة. مجرد مقعد أزرق، وماء خلف زجاج، ويدان التقتا في المنتصف. ثمة علاقات لا تعرف قيمتها إلا حين تكون الأحداث كبيرة، أما أنا فأريد أن أعرف قيمة وجودكِ في الساعات التي لا يحدث فيها شيء. فالحياة، في معظمها، ليست قممًا متتالية؛ إنها مساحات هادئة، ومن نرتاح إلى صمته يصبح رفيق العمر الحقيقي.
لن أقيس محبتكِ بعدد الرسائل ولا بسرعة الرد حين أعرف أنكِ منهكة. وفي المقابل، لن أجعل تفهمي عذرًا لإهمال يتكرر بلا تفسير. الفرق تصنعه العناية: أن تقولي إن يومكِ مزدحم بدل أن تختفي، وأن أصدقكِ بدل أن أطالبكِ بإثبات، وأن نراجع عاداتنا إذا بدأ الصمت يبتلع ما ينبغي قوله. المحبة لا تحتاج اتصالًا متواصلًا، لكنها تحتاج يقينًا بأن الطريق مفتوح حين يصبح الكلام ضروريًا.
وقد يكون صمتكِ فرحًا أيضًا. رأيتُكِ أمام مشاهد جميلة لا تقولين شيئًا، كأن الكلام سيقسم الدهشة إلى أجزاء أصغر. لن أسألكِ كل مرة عمّا تفكرين فيه. سأترك الجمال يصل إليكِ من دون أن أحوله إلى مقابلة، وأكتفي برؤية الضوء يتغير على ملامحكِ. ليس كل ما يمر بالقلب ملزمًا بأن يغادره في اللحظة نفسها. بعض المشاعر تنضج في الداخل، وبعضها يكفيه أن يُعاش مرة واحدة بلا اسم.
بعد وقت، عادت السلحفاة من خلف الصخرة واقتربت من الزجاج. كانت آثار قديمة ظاهرة على صدفتها، ومع ذلك سبحت بهدوء لا يبدو فيه انتصار ولا هزيمة. رفعتِ رأسكِ عن كتفي وابتسمتِ لها، ثم قلتِ أول جملة منذ جلسنا: أحب الأشياء التي لا تستعجل الوصول. لم أسألكِ إن كنتِ تقصدين نفسكِ، أو يومنا، أو علاقتنا. تركتُ العبارة كما قدمتِها، كاملة بغموضها، ولم أضع فوقها تفسيرًا يحجبها.
ثم قلتِ إنكِ تستطيعين الآن أن تخبريني بما حدث، لكنكِ لا تريدين حلًا. أومأتُ، وبدأتِ الكلام. حكيتِ على مهل، تتوقفين أحيانًا حين تعجزين عن اختيار كلمة، فلم أكملها نيابة عنكِ. ما حدث لم يكن كارثة؛ كان تراكمًا من المقاطعات والطلبات والنبرات الصغيرة التي جعلتكِ تشعرين أنكِ غير مرئية. لو أجبرتكِ على الشرح منذ دخولنا، لربما خرجت القصة دفاعًا مرتبكًا. لأنها جاءت حين استعددتِ، خرجت صادقة، واستطعتُ أن أسمعها بدل أن أفتش فيها عن مهمة أنجزها.
قلتُ لكِ بعد أن انتهيتِ إنني آسف لأن يومكِ مر هكذا، وسألتُ إن كنتِ تريدين العودة إلى البيت. قلتِ: بعد قليل. فبقينا نراقب الماء، وهذه المرة لم يكن صمتكِ بابًا مغلقًا أمامي، ولا كان كلامكِ مفتاحًا يثبت أنني نجحت. كلاهما كان طريقتكِ في الوجود معي؛ مرة بيدكِ، ومرة بصوتكِ. وفهمتُ أن الإصغاء لا يبدأ حين يتكلم الآخر، بل يبدأ حين نكف عن مطالبته بأن يتكلم لخدمتنا.
أريد أن أكون الرجل الذي لا تخافين قربه من اللحظات غير المصقولة. إذا تلعثمتِ، لن أستعجل العبارة. وإذا طال سكوتكِ، لن أملأه بنفسي. وإذا لم يكن لديكِ ما تقولينه، لن أعتبر حضوركِ ناقصًا. سأحفظ للهدوء مكانه، كما أحفظ للكلام حقه، وأتعلم من تغير أنفاسكِ ونبرة «نعم» القصيرة متى أقترب ومتى أترك الهواء حولكِ واسعًا. لن أصيب دائمًا، لكنني سأصحح اقترابي حين تخبرينني، من غير أن أجعل حدودكِ إهانة لحبي.
وعندما نختلف، لن أخاف من لحظة يسكت فيها كلانا ليراجع ما قال. ربما يكون الصمت آنذاك أكثر أخلاقًا من جملة نطلقها كي ننتصر ثم نقضي أيامًا في إصلاحها. سنتوقف، لكننا لن نهدد الرحلة كلها. سأبقى قريبًا بما يكفي لتعرفي أن الخلاف لم يمحُ المودة، وسأعود إلى الحديث بنية الفهم لا بنسخة أكثر هدوءًا من الهجوم نفسه. ما نؤجله بحكمة ينبغي أن نعود إليه بشجاعة.
عند خروجنا من الحوض، كانت الشمس قد غابت، وبقي اللون الأزرق على وجوهنا لحظات بعد أن ابتعدنا عن الزجاج. مشيتِ إلى جواري أخف قليلًا، لا لأن المشكلة حُلّت، بل لأنكِ لم تضطري إلى حملها والكلام عنها في الوقت نفسه. عند الباب، ضغطتِ على يدي وقلتِ: شكرًا لأنك لم تسأل كثيرًا. لم أشعر أنني فعلت شيئًا بطوليًا؛ كل ما فعلته أنني لم أضع حاجتي إلى الفهم فوق حاجتكِ إلى التنفس.
لهذا، حين يعجز صوتكِ عن الوصول، لن أظن أن قلبكِ غادر. سأجلس إلى جواركِ من غير أن أحاصركِ، وأترك يدي في مكان تستطيعين بلوغه أو تجاهله. وإذا جاء الكلام، سأستقبله من دون عتاب على تأخره؛ وإذا لم يأتِ، سأطمئن إلى ما منحتِنيه بطرق أخرى. بيننا لن يكون الصمت فراغًا يخيفنا، بل لغة لها حدودها وأمانتها. وفي كل مرة تلامس أصابعكِ أصابعي وسط ضجيج العالم، سأعرف أنكِ قلتِ ما يكفي: أنا هنا. وسأجيبكِ بالطريقة نفسها، من غير حرف واحد: وأنا معكِ.
صمتكِ يصلُ إليّ
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً