بعد أن خرج آخر العازفين، بقيت القاعة تحمل ضجيجهم من غير صوت. كانت المقاعد السوداء مصطفّة في أنصاف دوائر، والأضواء العالية تلمع فوق الأرض، بينما بقي كمانكِ على ركبتكِ والقوس بين أصابعكِ. جلستُ في الصف الأخير أنتظركِ، ظانًّا أنكِ تريدين إعادة المقطع الذي أخطأتِ فيه. لكنكِ لم ترفعي الآلة إلى كتفكِ. ظللتِ تنظرين إلى أوتارها، ثم قلتِ بهدوء أربكني أكثر من البكاء: لا أعرف إن كنتُ أريد هذا الحلم بعد الآن.
عرفتُ كم كانت الجملة ثقيلة عليكِ. سنوات من الدروس، وصباحات بدأت قبل الجميع، وأصدقاء قدّموكِ دائمًا بوصفكِ العازفة التي ستصل، وصورة صنعتِها لنفسكِ حتى صار من الصعب التمييز بينها وبينكِ. كان يمكنني أن أذكّركِ بالاختبار القريب، وبكل ما أنفقتِه من وقت، وأن أصف تعبكِ بأنه خوف عابر. لكنني رأيتُ في ملامحكِ شيئًا لا يشبه التردد أمام خطوة؛ كان يشبه امرأة تقف أمام طريق حفظته ثم تكتشف أنه لم يعد يقودها إلى البيت.
اقتربتُ وجلستُ على المقعد المقابل، ولم أقل إنكِ ستندمين. سألتُكِ متى بدأ هذا الشعور، فقلتِ إنه لم يبدأ في يوم واحد. جاء ببطء، في كل مرة انتهت فيها الموسيقى وشعرتِ بالراحة لأن العزف انتهى، لا بالحزن. في كل تدريب كنتِ تؤدين المطلوب بإتقان ثم تعودين فارغة. كنتِ تخافين الاعتراف لأن الجميع أحبوا حلمكِ، ولأنكِ ظننتِ أن تغييركِ له سيجعل السنوات السابقة تبدو كذبة.
أريدكِ أن تعرفي أن أحلامكِ ليست عهودًا أبدية وقّعتها نسخة قديمة منكِ. يحق لكِ أن تحبي شيئًا سنوات ثم يتغير قلبكِ، وأن تكتشفي أن الهدف الذي أنقذكِ في مرحلة صار يرهقكِ في مرحلة أخرى. الصدق مع الرغبة الجديدة لا يهين الرغبة القديمة. كنتِ صادقة حين أردتِ الوصول، وأنتِ صادقة الآن حين لم يعد الوصول نفسه يعني لكِ ما كان يعنيه.
لن أستدعي كلامكِ السابق لأحاكمكِ به. لن أقول: لكنكِ وعدتِ نفسكِ، أو كنتِ تقولين إن هذا أكبر أحلامكِ. الإنسان ليس تسجيلًا يُطلب منه أن يكرر الجملة ذاتها مهما تغيّر. ما قلتِه يومًا كان حقيقة ذلك اليوم، لا قيدًا على بقية عمركِ. وإذا صرتِ امرأة ترى أفقًا مختلفًا، فلن أطالبكِ بالعودة إلى نافذة قديمة فقط لأنني حفظتُ المنظر منها.
لكنني أيضًا لن أدفعكِ إلى ترك الحلم بسرعة كي أبدو متفهمًا. أحيانًا يأتي النفور من الإرهاق، أو من معلم قاسٍ، أو من خسارة واحدة حجبت المعنى. سنمنح شعوركِ وقتًا وننظر إليه من أكثر من جهة. هل تريدين ترك الموسيقى، أم ترك الطريقة التي عشتِها بها؟ هل انتهى الحب، أم أنه اختنق تحت المنافسة؟ لن أضع الإجابة في فمكِ، ولن أساوي بين التمهل والجبن. القرار الكبير يستحق مساحة لا ضغطًا في الاتجاهين.
وضعتِ القوس داخل العلبة، ثم مررتِ أصابعكِ فوق الخشب اللامع للكمان. كان في لمستكِ حنان لا يشبه الكراهية، فقلتِ إنكِ ما زلتِ تحبين العزف وحدكِ، لكنكِ لا تريدين أن تتحول حياتكِ كلها إلى اختبارات ومقاعد أولى. عندها فهمتُ أن الحلم لم يمت؛ ربما كان يخلع ثوبًا ضاق عليه. ليس مطلوبًا أن تصيري محترفة كي يحق لكِ الاحتفاظ بالموسيقى، ولا أن تحوّلي كل موهبة إلى مهنة حتى تثبتي أنكِ لم تهدريها.
كم مرة سرق منا العالم متعة لأننا طالبناها بأن تنتج شيئًا؟ نرسم فيسألون متى سنبيع، ونكتب فيسألون متى سننشر، ونتعلم فيسألون ما الفائدة. يكبر الشيء الجميل تحت هذه الأسئلة حتى يصير وظيفة قبل أن يعرف كيف يلعب. معكِ، أريد أن تبقى بعض المواهب بلا فاتورة. اعزفي لأن مساءكِ يحتاج إلى صوت، لا لأن لجنة تنتظر منكِ الكمال. وإذا أردتِ إغلاق العلبة شهرًا، فلن تفقدي حقكِ في فتحها بعده.
لن أربط قيمتكِ بما تحققينه من الحلم. أنتِ لستِ مشروعًا أراقب تقدمه، ولا قصة نجاح أتباهى بأنني كنتُ قريبًا منها. إذا وصلتِ إلى المسرح الكبير سأحبكِ، وإذا اخترتِ غرفة صغيرة تعزفين فيها لنفسكِ سأحبكِ، وإذا تركتِ الكمان نهائيًا ستبقين المرأة نفسها في عيني، لا نسخة أقل لمعانًا. الإنجاز يضيف خبرة إلى حياتكِ، لكنه لا يضيف مقدارًا إلى استحقاقكِ للحب.
وأعرف أن ثمة أحلامًا مشتركة ستتغير معها حياتنا نحن الاثنين. ربما خططنا لمدينة، أو بيت، أو عمل، ثم لم يعد أحدنا قادرًا على الطريق نفسه. لن أدّعي أن التغيير لا يؤلمني، أو أن كل خطة يمكن تفكيكها بلا خسارة. سأقول ما يعنيه القرار لي، وسنبحث عن شكل يحترمنا معًا. لكنني لن أطلب منكِ البقاء في حلمكِ فقط لأنه صار جزءًا من راحتي. الشراكة تفاوض صادق، لا حراسة متبادلة لنسخ قديمة من أنفسنا.
في القاعة، أخرجتِ من جيب العلبة بطاقة الاختبار المقبلة. قلبتِها بين أصابعكِ، ثم سألتِني ماذا ستقولين لمن ينتظرون نجاحكِ. كان خوفكِ من وجوههم أثقل من خوفكِ من القرار. قلتُ إنكِ لا تدينين للجميع بتقرير مفصل. يمكنكِ أن تقولي إن خطتكِ تغيّرت، وإنكِ ما زلتِ تفكرين. من يحبكِ قد يحزن أو يقلق، لكنه لا يملك أن يحوّل تعبكِ القديم إلى ملكية تمنحه حق تحديد مستقبلكِ.
قد يذكّركِ بعضهم بتضحياته. سيقول أحدهم إنه أوصلكِ إلى الدروس، أو دفع ثمن آلة، أو انتظر ساعات. يستحق المعروف شكرًا، لكنه لا يشتري بقية حياتكِ. ما قُدِّم لكِ كي تنموي لا ينبغي أن يصبح حبلًا يربطكِ بالاتجاه الذي اختاره صاحبه. تستطيعين الامتنان لمن ساعدكِ، وفي الوقت نفسه تختارين طريقًا لم يتوقعه. الشكر لا يعني الطاعة، والوفاء لا يعني أن تكملي رحلة لم تعودي فيها حاضرة.
وسأنتبه إلى حزنكِ على ما تتركين. حتى القرار الصحيح قد يؤلم. قد تبكين الحفلات التي لن تعزفيها، والنسخة التي تخيلتِها واقفة تحت الضوء، والاسم الذي كان يمكن أن يُكتب على ملصق. لن أقول إنكِ ما دمتِ اخترتِ الرحيل فلا يحق لكِ الحزن. نحن نحزن أحيانًا على أبواب أغلقناها بأيدينا لأن ما خلفها كان جميلًا، لكنه لم يعد لنا. النضج لا يلغي الأسى؛ يجعله يسير إلى جوار القرار من غير أن يبطله.
ولا أريدكِ أن تمحو سنواتكِ السابقة كي تبرري التغيير. لم تكن التمارين ضائعة، ولا الأيام التي أحببتِ فيها الكمان سذاجة. لقد علّمتكِ الإنصات، والانضباط، والصبر على صوت لا يستقيم من المحاولة الأولى. صنعت صداقات، وعبّرتِ عن أشياء لم تستطيعي قولها. لا تُقاس قيمة الطريق فقط بالمكان الذي انتهى إليه. أحيانًا يؤدي دوره كاملًا ثم يسلّمنا إلى طريق آخر، مثل جسر لا نسكنه لكننا ما كنا لنعبر من دونه.
سأساعدكِ على جمع ما تريدين حمله من الحلم القديم. ربما يبقى موعد أسبوعي للعزف، أو آلة قرب النافذة، أو لحن تعرفه أصابعكِ حين يثقل الكلام. وربما تبيعين الكمان يومًا لمن ستبدأ به رحلتها. لن أقرر أي نهاية أرقّ. ما يهمني أن يكون مصير الأشياء امتدادًا لاختياركِ، لا طقسًا قاسيًا تعاقبين به نفسكِ لأنكِ تغيرتِ. لا حاجة إلى حرق الجسر لإثبات أنكِ عبرتِه.
ثم سأقف إلى جانب الحلم الجديد حين يظهر خجولًا. ربما لا يأتي فورًا، وربما تمر فترة لا تعرفين فيها ما تريدين. لن أملأ الفراغ بأول خطة متاحة لأنني أخاف رؤيتكِ بلا عنوان. يحق لكِ أن تستريحي بين هويتين، وأن تستيقظي من غير مشروع كبير تقيسين به اليوم. الأرض الفارغة ليست دائمًا ضياعًا؛ قد تكون تربة تستعيد قوتها قبل أن تقبل بذرة لا نعرف اسمها بعد.
وأرجو أن تمنحيني الحرية نفسها. قد أغيّر رأيًا بنيتُ عليه كلامًا طويلًا، أو أتعب من هدف ربطتُ اسمي به. ذكّريني بما كان إذا احتجتُ إلى رؤية واضحة، لكن لا تستخدميه لإهانة ما صرتُ إليه. اسأليني هل أنا هارب أم متغير، ثم أصغي. أريد أن نستطيع النمو من غير أن يخاف أحدنا أن شريكه أحب خطته أكثر منه، أو أن الاعتراف بالتبدل سيجعله غريبًا في البيت.
أغلقتِ علبة الكمان، لكنكِ لم تشبكي القفل. ظل الغطاء مستقرًا بخفة، كأن القرار نفسه يحتاج إلى ليلة أخرى. حملتُ العلبة بدلًا منكِ، لا بوصفها جنازة لحلم، بل شيئًا يخصكِ ما زال معنا. عند باب القاعة توقفتِ، وعدتِ إلى الداخل خطوات قليلة. ظننتُ أنكِ نسيتِ شيئًا، لكنكِ وقفتِ في منتصف المقاعد ورفعتِ وجهكِ نحو السقف. قلتِ إن المكان جميل حين لا يطلب منكِ أن تثبتي شيئًا.
جلسنا مرة أخرى، هذه المرة متجاورين في الصف الأول. لم تعزفي، ولم نتحدث عن الخطط. كان عامل النظافة يطفئ المصابيح واحدًا تلو الآخر، فتتراجع القاعة إلى ظل هادئ. وضعتِ رأسكِ على كتفي وقلتِ إنكِ تشعرين بالخوف والراحة معًا. أخبرتكِ أن المشاعر لا تحتاج إلى التصويت على قرار واحد؛ يمكن للخوف أن يفتقد المألوف، وللراحة أن تتعرف إلى الحقيقة، ويمكننا حمل الاثنين حتى يتضح الطريق.
في الخارج، كان الهواء أبرد مما توقعنا. وضعتُ علبة الكمان في المقعد الخلفي للسيارة، فطلبتِ أن تبقى من غير قفل. ابتسمتُ لأنكِ لم تحتاجي إلى إعلان نهائي. ربما ستذهبين إلى الاختبار، وربما لن تذهبي. ربما ستغيرين شكل علاقتكِ بالموسيقى بدل أن تنهيها. ما حدث في القاعة لم يكن قرارًا مكتملًا؛ كان أول مرة سمحتِ فيها لنفسكِ بأن تسألي من أنتِ بعيدًا عن إجابة حفظها الجميع.
لهذا، حين يتغير حلمكِ، لا تخفي عني التحول حتى يصير سرًّا ثقيلاً. أحضريه وهو مرتبك، قبل أن تعرفي اسمه الجديد. لن أستقبل كلامكِ بدفتر حساب أعدّ فيه ما مضى، ولن أجبركِ على الوفاء لامرأة لم تعوديها. سأساعدكِ على التمييز بين تعب يحتاج إلى راحة وطريق يحتاج إلى وداع، ثم أحترم ما تعرفينه عن نفسكِ. أحبكِ أنتِ، لا اللافتة المعلّقة فوق مستقبلكِ.
وإذا أغلقتِ يومًا علبة حلمٍ أحببناه، فلن أطالبكِ بكسر الآلة كي أصدقكِ، ولن أفتح الغطاء عنوة كي تعودي إلى العزف. سأحمل العلبة معكِ إلى السيارة، وأترك القفل كما اخترتِه، ثم أسير إلى جانبكِ في المسافة التي لا تحمل اسمًا بعد. قد نجد حلمًا آخر، وقد نجد حياة أهدأ لا تحتاج إلى حلم ضخم كي تستحق أن تُعاش. يكفيني أن تكوني فيها حاضرة، لا تؤدين دور امرأة وعدت العالم قديمًا بشيء، بل تعيشين بصوتكِ الحالي؛ الصوت الذي يملك، حتى بعد آخر نغمة، حق أن يختار الصمت أو يبدأ لحنًا جديدًا.
أحلامكِ ليست عهودًا
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً