الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

أنتِ قبل أدواركِ

وجدتُكِ في الكواليس بعد أن غادر الجمهور، جالسةً أمام مرآة تحيطها مصابيح صغيرة أطفأتِ نصفها. كان التصفيق قد انتهى قبل دقائق، لكن صداه بقي في الممرات الخشبية وفي باقة الزهور الموضوعة قرب الباب. نزعتِ الحذاء العالي وتركته تحت الكرسي، ثم بدأتِ تمسحين عن وجهكِ طبقة المكياج التي صنعت ملامح الشخصية التي أديتِها. نصف وجهكِ ما يزال تحت ضوء المسرح، والنصف الآخر عاد إليكِ. حين دخلتُ، لم تسأليني كيف كان أداؤكِ؛ قلتِ فقط: هل يمكن أن نجلس قليلًا قبل أن أعود للجميع؟

جلستُ على الأرض قربكِ، بين صندوق أزياء مفتوح وستارة مطوية. كنتِ قد أمضيتِ المساء امرأةً أخرى: تضحكين في الموضع المكتوب، تبكين عند الإشارة، وتتقدمين إلى منتصف الخشبة حين يجيء دوركِ. وبعد انتهاء العرض، واصل الناس مناداتكِ باسم الشخصية، يطلبون صورة أو جملة أو ابتسامة إضافية. رأيتُكِ تمنحينهم ما يريدون بمحبة، ثم تغلقين الباب أخيرًا وتزفرين كمن أعاد حقيبة ثقيلة إلى الأرض.

مددتِ يدكِ إلى السحاب الخلفي للثوب، لكنه علق عند الكتف. طلبتِ مني أن أحرره، ففعلتُ ببطء، ثم وضعتِ فوق ملابسكِ عباءة قطنية واسعة. تغير جلوسكِ فورًا؛ انحنى ظهركِ قليلًا، واسترخت قدماكِ، وسقطت عن صوتكِ النبرة التي حفظتِها للشخصية. لم يختفِ جمالكِ حين خرجتِ من الدور. بالعكس، شعرتُ أنني أراكِ تصلين إلى نفسكِ بعد طريق قصير، وأن أحبّ ما في المشهد لم يكن ما صفق له الناس، بل ارتياحكِ حين لم تعودي مطالبة بالأداء.

منذ تلك الليلة وأنا أفكر في كثرة الأدوار التي تنادينكِ طوال اليوم. ابنة تعرف كيف تطمئن أهلها، وصديقة تحفظ التفاصيل، وامرأة يُنتظر منها أن تفهم الإشارات، وموظفة تنجز حتى حين لا يكون مزاجها حاضرًا، وحبيبة يُفترض أن تظل دافئة وقريبة. كل دور منها حقيقي وله مكانه، لكنه ليس أنتِ كاملة. أخاف أن يكثر الذين يحبون ما تقدمينه حتى لا يبقى من يسأل عنكِ حين تتوقفين عن التقديم.

أنا لا أريد أن أحب وظيفتكِ في حياتي أكثر منكِ. لا أريدكِ لأنكِ تهدئينني، أو ترتبين فوضاي، أو تتذكرين ما أنساه، أو تعرفين كيف تجعلين البيت أقل قسوة. سأمتن لكل ذلك، لكنني لن أجعله سبب استحقاقكِ للقرب. لو جاء يوم لم تقدري فيه على منحي الطمأنينة، فلن تتحولي في عيني إلى نسخة ناقصة. أنتِ قبل الخدمة، وقبل الفائدة، وقبل الدور الجميل الذي تؤدينه في حكايتي.

قد تدخلين البيت ولا تملكين طاقة لتكوني المستمعة الحكيمة. يمكنكِ أن تقولي إن رأسكِ ممتلئ، وإنكِ لا تستطيعين حمل قصة أخرى الآن. لن أصفكِ بالبرود، ولن أذكّركِ بالمرة التي استمعتُ فيها إليكِ كي أفرض المقابلة فورًا. سأبحث عن مكان آخر للكلام أو أؤجله، وأحفظ لكِ حقكِ في ألا تكوني متاحة عاطفيًا كل ساعة. حنانكِ صفة فيكِ، لا خدمة تعمل بلا موعد إغلاق.

وحين تكونين مع عائلتكِ، لن أطالبكِ أن تصيري الجسر الدائم بين الجميع. قد تكونين من تعودوا أن تصلح الخلاف، وتتصل بمن غاب، وتتذكر المناسبة، وتخفف كلمة قاسية بأخرى لطيفة. لكن لمجرد أنكِ تستطيعين جمع الأطراف، لا يعني أن كل شق مسؤوليتكِ. إذا اخترتِ التراجع، لن أقول إنكِ تغيرتِ أو قصرتِ. ربما تكونين فقط قد فهمتِ أن السلام الذي يأكل شخصًا واحدًا كي يبقى ليس سلامًا عادلًا.

وفي الأماكن التي ندخلها معًا، لن أجعلكِ مسؤولة عن صورتي. لستِ مطالبة بأن تضحكي لكل مزحة أقولها، أو توافقي رأيي كي نبدو منسجمين، أو تراقبي راحتي طوال الوقت. يمكنكِ أن تكوني شريكتي من غير أن تؤدي دور المرافقة المثالية أمام الناس. اختلافكِ لا يحرجني، وتعبكِ لا يفسد حضوري، وانسحابكِ المبكر لا يحتاج إلى قصة أحكيها دفاعًا عنكِ. سأدعكِ تمثلين نفسكِ، لا النسخة التي تلمّعني.

وسأنتبه إلى دوري أنا حين يثبتكِ في صورة واحدة. ربما أحببتُ قوتكِ، ثم بدأتُ أتصرف كأنها مورد لا ينفد. ربما مدحتُ استقلالكِ حتى نسيتُ أن أسألكِ إن كنتِ تحتاجين إلى من يحمل معكِ. وقد أحب ضحكتكِ فأستعجلها كلما حزنتِ، لأنني أريد عودة المرأة التي تريحني. سأراجع هذا كله؛ فالمحبة ليست أن أختار أكثر أدواركِ نفعًا لي، ثم أطالبكِ بالبقاء فيه.

أريد أن أعرف المرأة التي لا يشاهدها جمهور. ماذا تفعلين حين لا ينتظر أحد نتيجة؟ أي طعام تختارين إذا لم تضطري إلى مراعاة ذوق آخر؟ كيف تقضين ساعة لا تحتاج أن تتحول إلى إنجاز أو ذكرى جميلة؟ قد لا تكون الإجابات مثيرة، وهذا لا يهم. أنا لا أجمع عنكِ حقائق كي أصنع شخصية أكثر اكتمالًا؛ أريد أن أترك لكِ مساحة تكونين فيها بلا وصف، وبلا مشروع، وبلا سؤال عما ستفعلينه بعد ذلك.

في الكواليس، أخذتِ دبوسًا تلو الآخر من شعركِ، ووضعتِها في طبق صغير. مع كل دبوس كانت خصلة تسقط على كتفكِ، حتى عاد شعركِ إلى فوضاه الطبيعية. قلتِ إن مصففة الشعر أمضت ساعة كاملة في تثبيته، وإنكِ تشعرين بالذنب لأنكِ تفكين عملها في دقائق. ضحكتُ وقلتُ إن التسريحة أدت مهمتها وانتهت. نظرتِ إليّ لحظة، ثم قلتِ إنكِ تتمنين لو يفهم الناس هذه الجملة عن أدوار كثيرة.

نعم، يحق للدور أن ينتهي من دون أن يكون ما قبله كذبًا. قد تعطين مرحلةً من حياتكِ قلبكِ كله، ثم تكتشفين أن وقت الخروج منها قد جاء. لا يعني ذلك أنكِ خنتِ النسخة التي اجتهدت، أو أنكِ لم تكوني صادقة حين اخترتِ. الإنسان يتغير، وما ناسبه يومًا قد يضيّقه اليوم. لن أحاكمكِ باسم التزام قديم قبل أن أفهم من صرتِ، ولن أطالبكِ بإعادة تمثيل رغبة انتهت فقط لأن الجمهور حفظها عنكِ.

وقد تحبين دورًا وتكرهين بعض ما يطلبه منكِ. يمكنكِ أن تحبي عملكِ ولا تحبي استنزافه، وأن تحبي عائلتكِ وتحتاجي إلى حدود، وأن تحبيني ولا ترغبي في القرب بالطريقة نفسها كل يوم. المشاعر المركبة ليست نفاقًا. لن أجبركِ على اختيار جملة بسيطة كي يسهل عليّ فهمكِ. نستطيع أن نقول: أحب هذا، لكنه يتعبني؛ أريد البقاء، لكنني أحتاج تغييرًا. القلب أوسع من إجابة واحدة.

وأرجو أن تسمحي لي أنا أيضًا بالخروج من أدواري أمامكِ. قد أكون الشخص الذي يتولى الأمور عادةً، لكنني سأحتاج أحيانًا إلى الاعتراف بأنني لا أعرف. وقد أكون المطمئن، ثم يأتي يوم أحتاج فيه إلى من يقول لي إن الخوف لا ينتقص مني. لا أريد أن نتبادل أقنعة ثابتة: أنتِ التي تشعر، وأنا الذي يحل؛ أنتِ التي تحتوي، وأنا الذي يصمد. سنكون بشرًا قبل التقسيم، ونتبادل ما نستطيعه بحسب اليوم.

بعد قليل طُرق الباب، وسألت إحدى الزميلات إن كنتِ قادمة للاحتفال. نظرتِ إلى المرآة، ثم إليّ، وقلتِ إنكِ ستلحقين بهم بعد عشر دقائق. للمرة الأولى في المساء لم تقولي «الآن» كي لا ينتظر أحد. أغلقتِ الباب من جديد، وواصلتِ إزالة المكياج. كانت العشر دقائق صغيرة، لكنها بدت كأنها ملكية استعدتِها من جدول مزدحم بتوقعات الآخرين.

لن أستخدم معرفتي بحاجتكِ إلى هذه الدقائق كي أعزلكِ أو أقرر عنكِ. إذا اخترتِ العودة إلى الناس والضحك معهم، لن أقول إنكِ تناقضين تعبكِ. الراحة ليست انسحابًا نهائيًا، والاجتماع بالآخرين لا يبطل حاجتكِ إلى الوحدة. سأثق بقدرتكِ على تحديد ما ينفعكِ في اللحظة، وأبقى مستعدًا لتغيير الخطة إذا تغير إحساسكِ. لا أريد أن أستبدل دورًا فرضه الناس عليكِ بدور جديد أفرضه أنا باسم الفهم.

وحين تنجحين في دور، سأحتفل بما فعلتِ من غير أن أحبسكِ داخله. إذا أبدعتِ في رعاية الآخرين، لن أفترض أن هذا مصيركِ الدائم. وإذا تفوقتِ في عمل، لن أجعل الإنجاز مقياس قيمتكِ في الأيام الأقل إنتاجًا. التصفيق جميل، لكنه قد يتحول إلى قيد حين لا يسمح لصاحبه بالنزول من الخشبة. سأصفق لكِ، ثم أكون الشخص الذي يساعدكِ على الوصول إلى الباب الخلفي حين تحتاجين إلى الهدوء.

وحين تخفقين، لن أقول إنكِ خيبتِ الصورة التي عرفتكِ بها. ربما تنسين موعدًا، أو تعجزين عن مواساة أحد، أو تؤدين مهمة بلا بريق. الفشل في دور لا يهدم الإنسان الذي يؤديه. سننظر إلى الخطأ، نصلح ما يمكن، ونتعلم إن لزم، لكنني لن أختصر تاريخكِ في مشهد لم ينجح. الممثلة لا تصبح شخصيتها حين تتلعثم، وأنتِ لا تصبحين عيبكِ حين تتعبين.

نهضتِ أخيرًا وعلقتِ الثوب على الحامل. بقي فارغًا محتفظًا بشكل الجسد الذي كان داخله، فبدا للحظة كأنه شخص ينتظر. أغلقتِ سحابه، وسويتِ القماش بعناية، ثم دفعتِ الحامل إلى جانب المرآة. قلتِ إنكِ ستعودين إليه في العرض التالي، لكنكِ لا تريدين رؤيته الليلة. أخذتِ حقيبتكِ، وخرجنا من الكواليس بملابسكِ العادية، من دون أن يوقفنا أحد في الممر.

قبل أن نصل إلى باب المسرح، مررنا بالخشبة الخالية. كان الستار نصف مفتوح، والمقاعد مظلمة، وفي الوسط بقعة ضوء نسيها العاملون. مشيتِ إليها حافية لأن حذاءكِ في يدكِ، ووقفتِ لحظة من غير نص ولا موسيقى. لم تنحني، ولم تنتظري تصفيقًا. دُرتِ حول نفسكِ دورة صغيرة، ثم نظرتِ نحوي وابتسمتِ. كانت تلك الحركة لكِ وحدكِ، لا للشخصية ولا للجمهور، ولهذا بدت أكثر صدقًا من العرض كله.

أريد أن أكون شاهدًا على تلك المرأة أيضًا: التي تتحرك حين لا يراها أحد، وتغير رأيها، وتغلق الباب، وتترك الهاتف بعيدًا، وتجلس بلا مهمة. لن أسأل دائمًا ماذا تستطيعين أن تضيفي إلى يومي؛ سأسأل ماذا يحتاج يومكِ كي يبقى لكِ. وسأحرس في علاقتنا مكانًا لا تُقيّمين فيه بحسب جودة أدائكِ، مكانًا تستطيعين دخوله بالوجه الذي لا يحمل ابتسامة جاهزة ولا جوابًا مهذبًا.

أنتِ قبل أدواركِ، وقبل الأسماء التي يناديكِ بها الناس حين يحتاجون شيئًا منكِ. أنتِ لستِ فقط الابنة والصديقة والموظفة والحبيبة، ولا مجموع ما أنجزتِه لهذه الجهات كلها. أنتِ الإنسانة التي تعود إلى الكواليس بعد انتهاء الضوء، تفك دبابيسها، وتتنفس، وتقرر متى تفتح الباب. سأحب ما تفعلينه، لكنني سأنتبه أكثر إلى من تكونين حين تتوقفين عن الفعل؛ وحين يسقط آخر دور عن كتفيكِ، لن أطلب منكِ عرضًا آخر، بل سأجلس قربكِ حتى تشعري أنكِ عدتِ إليكِ.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً