الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

ماضيكِ ليس خصمي

سقطت الصورة من بين صفحات أطلس قديم قبل أن تنتبهي إليها. كنا جالسين على أرض غرفة التخزين، نفرز الصناديق التي بقيت مغلقة منذ انتقالكِ، وكان الغبار يلمع في شعاع شمس ضيق يتسلل من النافذة العليا. التقطتُ الصورة من قرب ركبتي: أنتِ أصغر ببضع سنوات، تقفين على شاطئ لا أعرفه، وشعركِ مبلل، وإلى جواركِ شخص لم أرَه من قبل. مددتُها إليكِ، فرأيتُ يدكِ تتوقف في الهواء، كأن الورقة لم تكن ذكرى بل سؤالًا ينتظر حكمًا.

قلتِ بسرعة إن الصورة قديمة، وإنكِ نسيتِ أنها ما تزال هناك. بدأتِ تشرحين من يكون، ومتى التُقطت، ولماذا انتهت الحكاية، مع أنني لم أسألكِ شيئًا. كان صوتكِ أسرع من حاجتكِ إلى الكلام، وعيناكِ تراقبان وجهي بحثًا عن التغير الذي تتوقعينه. أدركتُ أن بعض الناس لا يخافون ماضيهم، بل يخافون اللحظة التي يضعه فيها شخص جديد على طاولة التحقيق. وضعتُ الصورة فوق الأطلس وقلتُ: يمكنكِ أن تحكي إن أردتِ، ويمكنها أن تبقى مجرد صورة.

لم ترتاحي فورًا. سألتِني إن كنتُ منزعجًا، فقلتُ إن شعورًا صغيرًا بالغرابة مرّ بي، لكنه شعوري أنا، وليس تهمة لكِ. لم أكن موجودًا حين وقفتم أمام البحر، ولم يكن مطلوبًا من حياتكِ أن تنتظرني في غرفة فارغة حتى أصل. نظرتِ مرة أخرى إلى الصورة، ثم جلستِ على الصندوق المقابل. قلتِ إنكِ احتفظتِ بها لأنكِ أحببتِ ملامحكِ في ذلك اليوم، لا لأنكِ تريدين استعادة الشخص الذي ظهر فيها. كان التفسير بسيطًا، لكن خوفكِ منه كان أكبر من بساطته.

أريدكِ أن تعرفي أن ماضيكِ ليس خصمًا ينافسني على مكانه في قلبكِ. لا أريد أن أهزم أيامًا سبقتني، ولا أن أفتش في ذكرياتكِ عن دليل يجعلني أكثر أهمية ممن عرفوكِ قبلي. وصلتُ إليكِ بعد أن عشتِ، وضحكتِ، وندمتِ، واخترتِ، وغيّرتِ رأيكِ مرات. كل ذلك لم يؤخركِ عني؛ صنع اللغة التي استطعتِ بها أن تعرفيني، والحدود التي صرتِ قادرة على تسميتها، والحنان الذي تعلمتِ أن تمنحيه من غير أن تفقدي نفسكِ.

لن أطلب منكِ أن تصفي كل ما سبقني بأنه خطأ كي أشعر أن اختياركِ لي صحيح. ربما كانت لكِ أيام جميلة مع أشخاص لم يعودوا جزءًا من حياتكِ، وهذا لا يقلل من حاضرنا. يمكن لحكاية أن تنتهي من دون أن تصبح كل فصولها كاذبة. ويمكن لإنسان أن يكون مناسبًا لنسخة قديمة منكِ، ثم تفترق الطرق حين تتغيران. لا أحتاج إلى تشويه من غاب كي يثبت أنني الأفضل؛ يكفيني أنكِ هنا بإرادتكِ، ترينني كما أنا، وتختارين ما نبنيه الآن.

وقد تكون في ماضيكِ أشياء لا تحبينها. قرارات اتخذتِها خوفًا، ووعود صدقتها، وأماكن بقيتِ فيها أطول مما ينبغي. لن أستخدمها لأشرحكِ كلما اختلفنا، ولن أقول: أنتِ هكذا لأن فلانًا فعل بكِ كذا، كأن حاضركِ مجرد ظل لما وقع. ما عشتِه يؤثر فيكِ، نعم، لكنه لا يمتلككِ. لكِ قدرة على التعلم والتغير، ولي واجب أن أتعامل مع المرأة التي أمامي، لا مع ملف أفتحه لأستخرج منه تفسيرًا جاهزًا لكل حركة.

ولا أريد تفاصيل لا تختارين منحها. القرب لا يحول الفضول إلى حق، ولا يجعل الصمت خيانة. إذا سألتُكِ عن شيء، فلكِ أن تقولي إنكِ لستِ مستعدة، أو إن الأمر انتهى ولا تريدين إحياءه. سأميز بين حقيقة تمس علاقتنا ويحق لنا مناقشتها، وذكرى تخصكِ وحدكِ ولا يتوقف أماننا على معرفتها. الحب ليس تفتيشًا كاملًا للحقائب عند الحدود؛ هو ثقة تُبنى بالسلوك الحاضر، لا بعدد الأدراج التي سمحتِ لي بفتحها.

رفعتِ الصورة قرب الضوء ومسحتِ الغبار عن زاويتها. كان البحر خلفكِ رماديًا، وكنتِ تضحكين بعينين مغمضتين. قلتُ إن ضحكتكِ لم تتغير كثيرًا. نظرتِ إليّ متفاجئة، ثم ضحكتِ بالطريقة نفسها تقريبًا. للحظة، وقفت النسختان منكِ في الغرفة معًا: المرأة داخل الورقة، والمرأة التي تمسكها. لم أشعر أن واحدة منهما تنتقص من الأخرى. شعرتُ أنني أرى جسرًا خفيًا عبرته حياتكِ، وأنني محظوظ لأنني التقيتكِ على هذه الضفة، لا لأن الضفة السابقة يجب أن تغرق.

لن أقارن نفسي بمن عرفتِهم. المقارنة تجعلني أعيش في سباق لا يملك المتسابق الآخر علمًا به، وتجعلكِ حكمًا مرهقًا مطالبة بإعلان فوزي كل يوم. قد يكون أحدهم أكثر خفة، أو يشارككِ ذائقة لا أشارككِ إياها، أو عاش معكِ ظرفًا لا أستطيع تكراره. وأنا أيضًا أحمل ما يخصني ولا يشبه غيري. المحبة ليست جمع نقاط بين رجال تعاقبوا على حياتكِ؛ إنها جودة الحضور الذي نصنعه حين نكون معًا، والصدق الذي نمارسه الآن.

وحين تسألينني عن ماضيّ، سأمنحكِ الأمان نفسه. لن أستخدم الغموض كي أبدو مرغوبًا، ولن أروي القصص بطريقة تثير غيرتكِ ثم أتهمكِ بعدم الثقة. سأجيب بقدر ما تحتاج علاقتنا من وضوح، وأحفظ كرامة من مرّوا في حياتي كما أحفظ كرامتكِ. ما انتهى لا يحتاج إلى إهانة علنية كي يبقى منتهيًا. وسأصغي إلى أسئلتكِ من دون سخرية، لأن الاطمئنان حاجة إنسانية، لكنني لن أغذي خوفًا يطلب إثباتًا جديدًا بعد كل إثبات.

ثمة فرق بين الصراحة والاستعراض. الصراحة تقول ما يلزم كي لا يعيش أحدنا فوق أرض مخفية، أما الاستعراض فينثر التفاصيل التي لا تفيد إلا في صناعة صور مؤلمة. لن أصف لكِ وجوهًا ولقاءات لم تطلبي معرفتها، ولن أقيس رد فعلكِ لأتأكد من مقدار غيرتكِ. وأرجو ألا تفعلي بي ذلك. يمكننا أن نكون واضحين من غير أن نكون قساة، وأن نعترف بأننا عشنا قبل بعضنا من غير أن ندخل حياتنا الحالية ومعنا جمهور من الأشباح.

أخرجتِ من الصندوق تذكرة متحف، وسوارًا ورقيًا لمهرجان، ورسالة تهنئة كتبتها لكِ صديقة انقطعت أخبارها. لم تكن الذكريات كلها عاطفية، لكنها حملت وجوهًا وأحياءً ونسخًا قديمة من أحلامكِ. كنتِ تقرئين بعض الجمل وتبتسمين، ثم تعيدين الأشياء إلى مكانها. أحببتُ أن الماضي لم يظهر كطريق واحد يقود إلى شخص واحد؛ كان مدينة واسعة، فيها صداقات ودراسة وخيبات وأغانٍ وأيام خرجتِ منها وحدكِ أكثر مما تتذكرين.

لن أغار من الأماكن التي أحبتكِ قبلي. إذا مررنا بمقهى كنتِ تجلسين فيه، فلا تغيري الطريق خوفًا من سؤالي. وإذا اشتقتِ إلى مدينة ارتبطت بمرحلة قديمة، فلن أختصر اشتياقكِ في شخص. المكان قد يحفظ رائحة عمر كامل: نافذة كنتِ تدرسين قربها، شارعًا مشيتِ فيه أول مرة وحدكِ، أو مقعدًا اتخذتِ عليه قرارًا غيّركِ. سأدعكِ تستعيدين ما يخصكِ من تلك الأمكنة من غير أن أطالبكِ بأن تمسحي الجدران قبل أن ندخل.

وقد تؤلمكِ ذكرى ظننتِ أنكِ تجاوزتها. لا يعني ذلك أنكِ تريدين الرجوع، ولا أن حبنا ناقص. الجسد يتذكر أحيانًا قبل أن يستأذن الحاضر؛ أغنية، رائحة، أو تاريخ يفتح نافذة لثوانٍ. لن أخاف من دمعتكِ إن جاءت، ولن أجعل مواساتي مشروطة بأن تطمئنيني أولًا. سأعرف أن الحزن القديم يمكن أن يزور من دون أن يجد بيتًا يقيم فيه، وأن إغلاق الباب بعد الزيارة ليس إنكارًا لما شعرنا به حين فُتح أول مرة.

لكنني لن أقبل أن يتحول الماضي إلى شخص ثالث يدير علاقتنا. إذا قارنتِني باستمرار، أو جعلتِني أدفع ثمن خطأ لم أرتكبه، فسأقول إن ذلك يؤذيني. سأكون صبورًا مع الخوف، لا مستسلمًا لأحكامه. الثقة تحتاج أن تراني أنا، لا أن تضع وجهي فوق ملامح من سبقني. وكما لن أحقق معكِ بسبب صورة، لن أقبل أن أعيش في محاكمة أقيمت لغيري. الرحمة لا تلغي الحدود؛ إنها تجعلنا نضعها من دون إذلال.

سألتِني يومها هل ينبغي أن ترمي الصورة. كان السؤال مؤلمًا؛ لأنه كشف أن جزءًا منكِ ما يزال يظن أن الحب يطلب قرابين من الذاكرة. قلتُ إن القرار لكِ: احتفظي بها إن كانت تخصكِ، وتخلصي منها إن كانت تؤذيكِ، لكن لا تفعلي أيًا منهما لأثبت سلطتي. لا أريد درجًا نظيفًا صنعه الخوف، ولا أحتاج إلى رؤية الورقة ممزقة كي أصدق حاضرنا. الأمان لا يأتي من إتلاف الأدلة على أنكِ عشتِ؛ يأتي من الطريقة التي نعيش بها الآن.

وضعتِ الصورة على الأرض، ثم واصلتِ الفرز. بعد دقائق، صنعتِ ثلاث مجموعات: أشياء ستبقينها، وأشياء ستمنحينها لغيركِ، وأشياء حان وقت رحيلها. لم أتدخل في الاختيار. كنتُ أناولكِ الصناديق وأكتب بقلم أسود على الملصقات ما تطلبينه. أعجبتني قدرتكِ على تقرير مصير الأشياء واحدة واحدة، بدل أن تحرقي المرحلة كلها لتنجوي من سؤال. النضج ليس أن ننكر من كنا، بل أن نعرف ما يستحق أن يسافر معنا وما انتهت حاجتنا إلى حمله.

وعندما وصل الدور إلى الصورة، وضعتِها بين صفحات الأطلس من جديد. قلتِ إنكِ تريدين الاحتفاظ بها لأنها تذكركِ بيوم واجهتِ فيه البحر رغم خوفكِ منه. هذه المرة لم تشرحي الشخص الذي وقف بجواركِ. لم تعودي تحتاجين إلى ذلك، ولم أطلبه. صار المعنى الذي اخترتِه للذكرى كافيًا. ربما لهذا تبدو الحرية آمنة: لا لأنها تمنع الأسئلة كلها، بل لأنها تترك لصاحب الحكاية حق تسمية ما تعنيه له.

أريد أن أعرف ماضيكِ من خلال الأبواب التي تفتحينها، لا من خلال الجدران التي أكسرها. احكي لي عن طفولتكِ حين تشتاقين، وعن أخطائكِ حين تثقين، وعن الحب الذي علّمكِ شيئًا إن شعرتِ أن ذكره لن يجرحكِ. سأسمع لأفهمكِ، لا لأجمع مادة أعود بها في خصام. وإذا تغيّر تفسيركِ لحدث قديم، لن أتهمكِ بتزويره؛ فنحن نرى القصة بطريقة مختلفة كلما ابتعدنا عنها وصار معنا ضوء جديد.

وأنا لا أريد أن أكون خاتمة تمحو كل ما قبلها. أريد أن أكون فصلًا صادقًا يعرف مكانه في الكتاب ولا ينتزع الصفحات السابقة. ربما نطول معًا حتى يصبح لنا ماضٍ مشترك كثيف، صور وتذاكر وصناديق نفتحها بعد أعوام. وحينها أيضًا، لن تكون الذكريات ملكي وحدي؛ سيكون لكِ حق الاحتفاظ بما تريدين وفهمه بطريقتكِ. فحتى ما عشناه معًا يمر في قلبين مختلفين، ويترك في كل واحد أثرًا لا يطابق الآخر تمامًا.

مع اقتراب المساء، حملنا الصناديق إلى الرفوف. بقي الأطلس في يديكِ، ففتحته على صفحة البحر، ثم أغلقتِه وربطتِ حوله شريطًا قماشيًا. لم يعد وجهكِ مترقبًا، ولم تعودي تنظرين إليّ لتقرئي حكمًا. قلتِ إنكِ نسيتِ كم كنتِ شجاعة في ذلك اليوم، وإن الصورة أعادت إليكِ شيئًا يخصكِ أنتِ. شعرتُ بالامتنان لأن الورقة التي كان يمكن أن تصنع بيننا غيرة صغيرة أعادت إليكِ بدلًا من ذلك قطعة من نفسكِ.

لهذا، احتفظي بما تريدين من الطريق الذي أوصلكِ إليّ. لا تعتذري عن ضحكة سبقتني، ولا عن شاطئ لم أكن فيه، ولا عن قلب حاول أن يفهم نفسه قبل أن يعرف اسمي. سأحب المرأة التي أنتِ عليها من غير أن أطالب النسخ السابقة بالمغادرة. وإذا سقطت صورة قديمة أمامي يومًا، فلن أرفعها كدليل ضدكِ؛ سأناولكِ إياها كما أُناولكِ جزءًا يخصكِ، وأترك لكِ القرار: تحكين، أو تصمتين، أو تعيدينها إلى الأطلس. يكفيني أن أعرف أن ماضيكِ لم يأتِ ليأخذكِ مني؛ لقد جاء بكِ، كاملةً، إلى هنا.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً