لم يحتج الأمر إلى حادث واضح. لم يقل أحد جملة تستطيعين اقتباسها، ولم تمتد يد نحوكِ، ولم يقع ما يصلح دليلًا أمام الآخرين. ومع ذلك رأيتُ أصابعكِ تلتف حول كأس الماء أكثر مما ينبغي، ورأيتُ نظركِ يعود إلى الباب كلما ارتفع الضحك في الغرفة. كانت السهرة تمضي طبيعية في ظاهرها؛ موسيقى منخفضة، صحون صغيرة، ووجوه تتبادل الحكايات. وحدكِ كنتِ تسمعين شيئًا آخر تحت ذلك كله.
اقتربتُ منكِ وسألتُ بصوت لا يصل إلى غيركِ إن كنتِ تريدين الخروج. لم أسأل ما الذي حدث، ولم أطلب تفسيرًا قبل أن أتحرك. نظرتِ إليّ لحظة، كأنكِ تتأكدين أن العرض حقيقي، ثم قلتِ: نعم. أخذتُ معطفينا من المشجب، وودعنا أصحاب البيت بجملة قصيرة. حاول أحدهم أن يقنعنا بالبقاء، فقلتُ إننا سنغادر، من غير أن أترككِ وحدكِ أمام مهمة اختراع عذر يرضي الجميع.
حين أُغلق الباب خلفنا، استقبلنا هواء بارد ورصيف رطب من مطرٍ سابق. وقفتِ تحت مصباح الشارع وأطلقتِ نَفَسًا طويلًا، ثم ارتخى كتفاكِ كأنكِ كنتِ تحملينهما طوال المساء قرب أذنيكِ. بقيتُ إلى جواركِ، والمعطف فوق ذراعي، حتى قلتِ إنكِ لا تعرفين لماذا شعرتِ بذلك الضيق. كان الرجل عند الطرف الآخر يتكلم بلطف، والناس يضحكون، ولم يحدث شيء تستطيعين تسميته. ثم اعتذرتِ لأننا غادرنا بسببه.
قلتُ لكِ إن الضيق سبب، حتى قبل أن نجد له اسمًا. لستِ مطالبة بتحويل إحساسكِ إلى مرافعة كي أحترمه، ولا أن تنتظري وقوع الضرر حتى يصير خروجكِ منطقيًا. الجسد يلتقط أحيانًا ما يتأخر العقل في ترتيبه: نبرة تتغير، نظرة تطول، طريقًا يُغلق من غير أن ننتبه، أو ذكرى قديمة استيقظت من تشابه صغير. قد نعرف التفسير لاحقًا، وقد لا نعرفه، لكن حقكِ في الابتعاد لا يتوقف على اكتماله.
أريدكِ أن تطمئني إلى أن حدسكِ لن يقف متهمًا أمامي. لن أستجوبكِ بأسئلة تبدو عقلانية وهي في حقيقتها مطالبة بأن تتجاهلي نفسكِ: ماذا قال بالضبط؟ هل أنتِ متأكدة؟ أليس من الممكن أنكِ فهمتِه خطأ؟ ربما كان قصده حسنًا. قد تكون كل الاحتمالات قائمة، لكن حسن قصد شخص آخر لا يلغي سوء شعوركِ، وبراءته المفترضة لا توجب عليكِ البقاء في مكان يضيق حولكِ.
هذا لا يعني أنني سأحوّل كل قلق إلى حقيقة نهائية، أو أحكم على الناس من ارتجافة واحدة. سنترك باب المراجعة مفتوحًا، ونفرّق بين الخطر والذكرى والخوف العابر. لكن المراجعة تأتي بعد أن نصير في مكان آمن، لا ونحن نضغط عليكِ لتثبتي قدرتكِ على الاحتمال. يمكننا أن نغادر أولًا، ثم نفهم. فالخطأ في مغادرة سهرة أبكر قليلًا أهون من أن تتعلمي مرة أخرى أن راحتكِ آخر ما يُؤخذ في الحسبان.
أعرف أن الحياة ربما دربتكِ على الشك في إحساسكِ. قيل لكِ إنكِ حساسة، وإنكِ تبالغين، وإن الناس لا يقصدون ما تلتقطينه من كلامهم. وربما صدقتِ ذلك حتى صرتِ أول من يقف ضدكِ؛ تشعرين بالنفور ثم توبخين نفسكِ، تنكمشين ثم ترسمين ابتسامة، تريدين الرحيل ثم تبقين ساعة إضافية كي لا يقال إنكِ معقدة. أريد لقربي أن يفك هذا التحالف القديم بينكِ وبين من أنكروا إشاراتكِ.
لن أطلب منكِ اللطف على حساب الأمان. ليس واجبًا أن تجيبي سؤالًا شخصيًا لأن السائل ابتسم، أو أن تسمحي باقتراب لا يريحكِ لأن رفضه قد يحرجه، أو أن تواصلي حديثًا لأن قطعه يبدو غير مهذب. الأدب فضيلة حين يكون اختيارًا، لكنه يصبح قفصًا حين يمنعكِ من حماية حدودكِ. يمكنكِ أن تقولي: لا أريد، أو أن تصمتي، أو أن تنهضي. ومن يملك نية سليمة يستطيع تحمّل حد واضح.
وسأنتبه إلى الإشارات التي قد تعجزين عن قولها وسط الناس. ربما تضعين يدكِ على حقيبتكِ، أو تقتربين مني نصف خطوة، أو تسألين عن الوقت مرتين. لن أدّعي أنني أقرأكِ دائمًا، فذلك وهم قد يؤذيكِ، لكنني سأتعلم أن أسأل سؤالًا بسيطًا يترك لكِ القرار: هل تريدين أن نبقى أم نخرج؟ وإذا قلتِ نخرج، فلن أساومكِ على عشر دقائق أخرى، ولن أجعل وجوه الآخرين أهم من جوابكِ.
ومع ذلك، لا أريد أن أتكلم نيابة عنكِ كلما شعرتُ أنكِ متضايقة. قد تختارين البقاء، أو المواجهة، أو أن تكملي الحديث بطريقتكِ. دوري ليس أن أتحول إلى حارس يقرر أين تستطيعين الوقوف، بل أن أضع دعمي في متناول يدكِ. سأعرض الطريق ولا أسحبكِ إليه، وأسألكِ قبل أن أواجه أحدًا باسمكِ. فالحماية التي تلغي اختياركِ تعيد بصورة أخرى الشيء نفسه الذي تزعم أنها تنقذكِ منه.
سرنا تلك الليلة ببطء نحو السيارة. كنتِ تبحثين في ذاكرتكِ عن تفصيل يبرر ما شعرتِ به، ثم تذكرتِ أن الرجل نفسه سأل عن مكان عملكِ أكثر من مرة رغم أنكِ غيرتِ الموضوع. قلتِ إن الأمر ربما كان فضولًا عاديًا، ثم سكتِّ. لم أحتج إلى أن أضع له وصفًا. يكفيني أنكِ حاولتِ نقل الحديث وشعرتِ أنه أعاده إلى الموضع الذي تركتِه عمدًا. الحدود لا تصبح موجودة فقط حين نعلنها بخطاب؛ أحيانًا تكون في الانحراف الصغير الذي يرفض الآخر احترامه.
إذا قررتِ بعد ذلك أن شعوركِ لم يكن متعلقًا به، فلن أسخر منكِ. قد تكتشفين أن الزحام هو الذي أتعبكِ، أو أن رائحة المكان أعادت ذكرى، أو أن يومكِ كان أثقل مما حسبتِ. لا يفسد هذا قرارنا بالخروج. نحن لا نحتاج إلى العثور على مذنب في كل مرة كي تكون حاجتكِ صادقة. يكفي أن جهازكِ الداخلي طلب مساحة، وأننا منحناه إياها قبل أن يتحول الضيق إلى انهيار لا يفهمه أحد.
لكنني لن أستخدم خوفكِ لأوسّع سلطتي. لن أقول إن العالم خطير ثم أمنعكِ من الخروج، أو أراقب علاقاتكِ، أو أختار لكِ من تقابلين. الثقة بحدسكِ تعني أن أثق بكِ أنتِ، لا أن أجعل قلقي بديلًا عنه. سأشارككِ ما أراه حين يكون لدي سبب واضح، لكن القرار في ما يخصكِ سيظل لكِ. الحب لا يبني جدرانًا باسم الأمان ثم يندهش لأن الهواء انقطع.
وصلنا إلى السيارة، لكنكِ لم تفتحي الباب. وقفتِ تحت الضوء الأصفر، والشارع خالٍ إلا من صوت ماء يتحرك في مجرى الرصيف. قلتِ إن أكثر ما أتعبكِ لم يكن الرجل ولا الغرفة؛ كان خوفكِ من أن أنزعج لأنكِ أفسدتِ السهرة. عندها فهمتُ أن الضيق كان له بابان: باب المكان، وباب توقعكِ أن تدفعي ثمن مغادرته في علاقتنا.
لن أدعكِ تختارين بين راحتكِ ورضاي. قد أشعر بخيبة لأننا غادرنا مناسبة كنتُ أتطلع إليها، ويمكنني أن أعترف بذلك من غير أن أجعله عقوبة عليكِ. الشعور ليس أمرًا يصدره أحدنا للآخر. سأحمل خيبتي بيدي، لا أضعها على كتفيكِ وأطلب منكِ العودة كي تخف. ومن حقي أن أسألكِ لاحقًا عما حدث، لكن ليس من حقي أن أجعل إجابتكِ شرطًا لأعاملكِ بحنان.
قد يأتي وقت تخطئين فيه قراءة شخص أو موقف. كلنا نفعل. لن أستخدم الخطأ لأطلب منكِ تجاهل حدسكِ في المرة التالية. سنتعلم منه بهدوء: ما الإشارة التي التبست؟ ما الخوف الذي تكلم؟ وهل كان القرار الذي اتخذناه معقولًا بما عرفناه آنذاك؟ الحكمة ليست عصمة، والثقة بالنفس لا تعني أن تصيبي دائمًا. تعني أن تملكي حق الاستماع إلى نفسكِ ثم مراجعتها من غير إذلال.
وحين يكون الأمر أخطر من سهرة، لن أكتفي بالكلمات. إذا شعرتِ أن أحدًا يتبعكِ، أو أن طريقًا لا يبدو آمنًا، أو أن لقاءً خرج عن حدوده، اتصلي بي. سأحضر إن استطعت، وأطلب المساعدة اللازمة، وأبقى معكِ. لن أبدأ بسؤال لماذا ذهبتِ أو لماذا لم تغادري أبكر. تلك الأسئلة، إن كان لها معنى، يمكن أن تنتظر. الأولوية أن تعودي سالمة، وأن تعرفي أن خوفكِ لن يتحول عندي إلى محكمة تحاكم اختياراتكِ.
جلستِ أخيرًا في السيارة، لكننا لم نشغّلها. أعطيتُكِ معطفكِ، فوضعتِه فوق ساقيكِ وفتحتِ النافذة قليلًا. دخل الهواء البارد، وصار ضجيج السهرة وراء الزجاج بعيدًا. بعد دقائق قلتِ إن قلبكِ عاد إلى سرعته المعتادة. لم تكن تلك الجملة مجرد وصف؛ كانت دليلًا على أن جسدكِ عرف ما احتاجه قبل أن نعرف نحن السبب. غادرنا، فاستطاع أن يهدأ.
أحب فيكِ هذه المعرفة الصامتة، حتى حين تربككِ. أحب أنكِ تلاحظين تغيّر الجو، وأن عينيكِ تريان ما تمر فوقه العجلة، وأن فيكِ بوصلة لا تصرخ لكنها تكرر الإشارة. لا أريد أن أقدّسها أو أحملكِ عبء أن تكوني دائمًا الأكثر انتباهًا. أريد فقط ألا تُكسَر تحت وطأة الشرح المستمر، وألا تعودي إلى البيت كل مرة وفي داخلكِ سؤال قاسٍ: لماذا لم أصدق نفسي؟
سنعطي حدسكِ لغة من غير أن نسلبه غموضه. يمكنكِ أن تقولي: لا أعرف، لكنني غير مرتاحة. هذه جملة كاملة. ويمكنكِ لاحقًا أن تضيفي التفاصيل، أو تغيري فهمكِ، أو تقولي إن القلق مرّ. لن أطالبكِ بتقرير نهائي في اللحظة الأولى. بعض الحقائق تبدأ ارتعاشًا صغيرًا ثم تتضح، وبعض المخاوف تذوب حين نخرج إلى الهواء. في الحالتين، الإصغاء لها أكثر رحمة من خنقها كي يستمر المساء كما خُطط له.
شغّلتُ السيارة، وسألتكِ إلى أين تريدين الذهاب. قلتِ: إلى مكان مفتوح. قدنا حتى وصلنا إلى ساحة هادئة تطل على النهر، ونزلنا من غير أن نتكلم كثيرًا. كان الماء أسود تحت السماء، وتنعكس عليه مصابيح متباعدة. مشيتِ بمحاذاته، ثم توقفتِ ورفعتِ وجهكِ إلى الهواء. لم يكن عليكِ أن تشرحي أكثر. المسافة التي صنعناها بينكِ وبين الغرفة كانت كافية كي تستعيدي صوتكِ.
هناك قلتِ إنكِ للمرة الأولى لم تضطري إلى البقاء حتى يحدث شيء سيئ. بقيت العبارة معي. كم مرة ننتظر البرهان لأننا نخاف اتهامنا بالمبالغة؟ كم مرة نعطي الموقف فرصة بعد أخرى، بينما أجسادنا تطلب منا الرحيل؟ أريد أن يكون حبنا المكان الذي تتغير فيه هذه العادة. لن تحتاجي إلى جرح كي يحق لكِ الابتعاد، ولا إلى شاهد كي يحق لكِ أن تقولي إن شيئًا ما لم يكن لكِ.
ولهذا، حين تنظرين إلى باب وسط غرفة مزدحمة، سأنتبه من غير أن أفترض. سأقترب، وأسألكِ، وأصدق جوابكِ. إن أردتِ البقاء بقيتُ إلى جواركِ، وإن أردتِ الخروج حملتُ معطفينا ومشينا. وفي الخارج لن أطاردكِ بالتفسيرات، ولن أجعل ضيقكِ امتحانًا لمنطقي. سأترك الهواء يصل إليكِ أولًا، حتى يعود قلبكِ إلى سرعته وتعود الكلمات حين تستطيع.
حدسكِ لا يحتاج إلى حكم بالبراءة كي يعيش. يكفي أنه جزء منكِ، تكوّن من خبرتكِ وذاكرتكِ وما تعلمه جسدكِ في طرق لم يشرحها لكِ أحد. سنراجعه معًا حين يلزم، لكننا لن نهينه. وإذا لم نجد أبدًا سبب تلك الليلة، فلن أعد خروجنا خسارة. لقد عدتِ إلى نفسكِ قبل أن تفقديها في المجاملة، وعدتُ أنا معكِ لا بصفتي قاضيًا يبحث عن الدليل، بل حبيبًا يعرف أن كلمة «لنغادر» قد تكون أصدق جملة يقولها قلبكِ، وأن أقرب مكان إليكِ هو المكان الذي لا يطلب منكِ البقاء ضد إشارتكِ.
حدسكِ لا يُحاكَم
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً