الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

صداقاتكِ لا تنافسني

كانت الساعة تقترب من الثامنة حين رنّ الجرس. كنتِ قد أعدتِ ترتيب الوسائد مرتين، ونقلتِ إناء الليمون من الطاولة إلى الرف ثم أعدتِه، مع أنكِ قلتِ إن الزيارة عادية. وحين فتحتِ الباب ورأيتِ صديقتكِ القديمة واقفة تحمل علبة حلوى ووشاحًا ابتل طرفه بالمطر، تبدّل وجهكِ كله. خرج منكِ اسمها بفرح لم أسمعه منذ زمن، ثم تعانقتما وضحكتما في اللحظة نفسها، كأن السنوات التي فرقت بين مدينتيكما انطوت فجأة وصارت ممرًا قصيرًا عبرته إلى بيتنا.

وقفتُ خلفكما ممسكًا بإبريق الشاي، ورأيتُ فيكِ امرأة أعرفها ولا أعرفها. صرتِ أسرع في الكلام، وأخف في الحركة، وعدتِ تستعملين كلمات قديمة لا أفهم أصلها. كانت صديقتكِ تكمل الجملة قبل نهايتها، فتضحكين لأنكما وصلتما إلى الذكرى ذاتها من بابين مختلفين. لم أشعر أنني مستبعد؛ شعرتُ أن بابًا فيكِ فتح على غرفة سبقتني، وأن من حسن حظي أن أراها مضاءة، ولو لم تكن كل الأشياء فيها تخصني.

وضعتُ الأكواب أمامكما، وجلستُ قليلًا. حاولتما شرح حكاية عن حافلة مدرسية وحذاء ضاع في رحلة، لكن كل تفسير كان يلد تفصيلًا آخر، حتى ضحكتما وعجزتما عن إكمالها. ضحكتُ معكما من عدوى الضحك، لا من الحكاية التي لم أفهمها. ثم نهضتُ إلى المطبخ، وتركتُ الباب نصف مفتوح، لا كي أسمع، بل كي أمنحكما المساحة من غير أن أجعل خروجي إعلانًا ثقيلًا. كنتما تحتاجان إلى أن يعود الكلام إلى سرعته القديمة من دون مترجم.

في تلك الليلة فهمتُ أنني لا أريد أن أكون العالم كله بالنسبة إليكِ. قد تبدو العبارة أقل رومانسية من الوعود التي تقول إن الحبيبين يكفي أحدهما الآخر، لكنها عندي أكثر حبًا وصدقًا. أنتِ لستِ جزيرة اكتشفتُها ثم رفعتُ فوقها رايتي، ولستُ أنا الميناء الوحيد الذي ينبغي لكل سفنكِ أن تعود إليه. لكِ صداقات سبقتني، وأخرى ستولد وأنا بقربكِ، ولكل واحدة منها لغة ودور وظل لا أستطيع أن أستنسخه، ولا أريد.

لن أغار من صديقة تعرف كيف تضحككِ بطريقة مختلفة. لن أفتش في خفتكِ معها عن دليل على نقصي، ولن أسأل لماذا لا تكونين معي بهذه الحيوية دائمًا. ربما تذكّركِ بجزء من عمركِ لا يستيقظ إلا حين تجلس أمامكِ، وربما يكون بينكما نوع من المزاح صنعته أعوام طويلة من التفاصيل. اختلاف حضوركِ مع الناس ليس خداعًا؛ نحن جميعًا نُخرج نبرات متعددة من الروح بحسب من ينادينا، ولا تصبح واحدة منها أقل حقيقة لأنها لا تظهر في كل مكان.

وإذا ذهبتِ إليها بحزن لم تقولي لي عنه بعد، لن أعد ذلك خيانة للقرب. قد تحتاجين إلى امرأة تشبه تجربتكِ في أمر لا أعرفه، أو إلى عين لا تكون جزءًا من المشكلة، أو إلى شخص يستطيع أن يسمعكِ من غير أن يخاف على صورته داخل كلامكِ. أتمنى أن أكون موضع أمان لكِ، لكن الأمان لا يثبت نفسه بإغلاق الأبواب الأخرى. الحب الذي يشترط أن يكون المستمع الوحيد يحوّل الاحتياج إلى تبعية، وأنا أريدكِ محاطة، لا محتكرة.

سأحترم ما يبقى بينكِ وبين صديقاتكِ. لن أستقبلكِ بعد لقاء بسلسلة أسئلة متنكرة في هيئة اهتمام: ماذا قالت؟ وعن من تحدثتما؟ وهل ذكرتِني؟ أخبريني ما تحبين مشاركته، واحتفظي بما اؤتمنتِ عليه. لا أحتاج إلى نسخة من كل محادثة كي أطمئن إلى مكاني. وإذا جاءت صديقة إليكِ بسرّ، فلن أعتبر علاقتنا تصريحًا يجعلني شريكًا تلقائيًا فيه. وفاؤكِ لها لا ينتقص من صدقكِ معي؛ بل يخبرني أنكِ تعرفين كيف تحمين الكلام حين يضعه أحد في يديكِ.

لكنني لن أطالبكِ أيضًا بأن تخفي عني ما يؤذيكِ باسم الوفاء. إذا كانت صداقة تستنزفكِ، أو تستعمل أسراركِ ضدكِ، أو تجعلكِ تعودين كل مرة أصغر من نفسكِ، فسأصغي من دون أن أصدر حكمًا سريعًا. لن أقول اقطعيها لمجرد أنني انزعجتُ، ولن أدافع عنها لأن عمرها طويل. سأساعدكِ على رؤية ما يحدث، وأترك القرار لكِ، وأذكّركِ أن السنوات المستثمرة لا تُلزمكِ بالبقاء في مكان فقد احترامه.

أعرف أن بعض العلاقات العاطفية تبدأ بعزل بطيء لا يبدو قاسيًا في أوله. تعليق على صديقة، امتعاض كلما طال اللقاء، مزحة عن كثرة الرسائل، ثم شعور دائم بأن الفرح خارج العلاقة يحتاج إلى تبرير. لن أفعل ذلك بكِ. لن أجعل خروجاتكِ امتحانًا لولائكِ، أو أفسدها بخلاف نفتحه قبل موعدها، أو أستقبلكِ بوجه مغلق حتى تدفعي ثمن الساعات التي لم أكن مركزها. اذهبي بقلب خفيف، وعودي حين ينتهي وقتكِ، لا حين ينتهي صبري.

وسأنتبه إلى التفاصيل العملية، لأن الحرية لا تعيش بالكلام وحده. إذا كان عندكِ لقاء مهم، لن أضع في الوقت نفسه خطة وأطلب منكِ الاختيار كأن المصادفة بريئة. سأحفظ الموعد حين تخبرينني، وأشارك في ترتيب ما يلزم كي لا تكون صداقاتكِ أول شيء يُلغى كلما ازدحمت الحياة. كثير من النساء يحتفظن للجميع بمواعيدهم، ثم يكتشفن أن لقاءاتهن الخاصة هي القطعة الأسهل حذفًا. أريد لوقتكِ مع من تحبين أن يملك وزنًا حقيقيًا في يومنا.

في الصالة، كنتما قد فتحتما صندوقًا صغيرًا أحضرته صديقتكِ. أخرجت منه سوارًا من خيط أزرق، وتذكرتما أنكما صنعتما زوجين منه في صيف بعيد. كان خيطكِ قد انقطع منذ سنوات، أما سوارها فبقي مربوطًا ببطاقة قديمة. حملتِه على كفكِ بحذر، وهدأت ضحكتكِ فجأة. رأيتُ عينيكِ تمتلئان بشيء بين الامتنان والأسى؛ فرح اللقاء، وحزن الوقت الذي مضى من دون أن تنتبها إلى سرعته.

لم أتقدم لأشرح المشهد أو أحوّله إلى رمز لنا. بقيتُ عند طرف الغرفة أملأ الكؤوس، وتركتُ لصديقتكِ أن تمسك يدكِ. قالت لكِ إن الغياب لم يكن قلة محبة، وإن حياتها ضاقت أحيانًا حتى أخّرت كل اتصال ظنّت أنه يستطيع الانتظار. قلتِ لها إنكِ فعلتِ الشيء نفسه. كان اعتذاركما مختلفًا عن اعتذارات العشاق؛ لا بحث فيه عن مذنب، بل اعتراف بأن الود قد يظل حيًا بينما تفشل الأيام في خدمته. تمنيتُ في سري أن تتعلما هذه المرة ألا تعتمدا على قوة الجذور وحدها.

لذلك لن أتعامل مع صداقاتكِ كزينة لطيفة حول علاقتنا. الصداقة تحتاج إلى وقت مقصود، وسؤال، وزيارة، ومساندة حين تتعثر الحياة. سأشجعكِ على الاتصال لا لأنني أريد أن أبدو متفهمًا، بل لأنني أعرف أن القلب يضعف حين يحمل كل حاجاته في سلة واحدة. هناك أشياء ستجدينها معي، وأشياء تجدينها مع صديقة تحفظ طفولتكِ، وأخرى مع رفيقة عمل تفهم ضغط يومكِ من الداخل. هذا التنوع لا يبعثر قلبكِ؛ إنه يمنحه أكثر من نافذة للهواء.

وأرجو أن تمنحيني الحق نفسه. سأحافظ على أصدقائي من غير أن أجعل الصداقة ستارًا يغطي الإهمال أو التجاوز. لن أستخدم عبارة «هذا شأن بين الرجال» كي أخفي ما يمس علاقتنا، ولن أسمح لمجلس أن يجعل التقليل منكِ ثمنًا للانتماء إليه. لكنني أحتاج أيضًا إلى رفقة أتكلم معها وأضحك وأتذكر من كنتُ قبل أن نصير نحن. حين يعود كل منا من عالمه الخاص بشيء جديد، لا يتسع البعد بيننا؛ تتسع المادة التي نصنع منها أيامنا.

قد لا ترتاحين إلى صديق لي، وقد لا أرتاح إلى صديقة لكِ. لن نجمّل شعورنا، لكننا سنفحصه بعدل. هل هناك سلوك يتجاوز حدودنا فعلًا، أم أن الخوف يطلب السيطرة؟ هل الاعتراض على موقف محدد، أم على مجرد وجود شخص مهم خارج العلاقة؟ سأسمع ملاحظتكِ من دون اتهامكِ بالغيرة، وأقول قلقي من دون أن أحوله أمرًا. الحدود التي نتفق عليها ينبغي أن تحمي احترامنا، لا أن تقطع كل صلة لا نستطيع التحكم فيها.

بعد منتصف الليل، اقترحت صديقتكِ أن تعود إلى الفندق، لكن المطر كان قد اشتد. قلتُ لها إن غرفة الضيوف جاهزة، وتركتُ لكما اختيار ما تريدان. رأيتُ الارتياح يمر في وجهكِ قبل أن تتكلمي. أحضرتما غطاءين وجلستما على الأرض قرب الطاولة، بينما ذهبتُ لأنام. استمر همسكما خلف الباب، يتخلله ضحك مكتوم كل بضع دقائق. لم أشعر أن البيت ابتعد عني؛ بدا لي أوسع، كأنه استعاد غرفة لم نكن نعرف أنها ناقصة.

في الصباح وجدتكما نائمتين في الصالة، إحداكما على الأريكة والأخرى على السجادة، وبينكما أكواب فارغة وعلبة الحلوى مفتوحة. كان السوار الأزرق فوق الطاولة، وإلى جانبه خيط جديد أحضرته من درج الأدوات. حين استيقظتِ، قلتِ إنكما قررتما صنع سوارين آخرين، لا بدل القديمين، بل اعترافًا بأن الصداقة لا تعود إلى النقطة التي توقفت عندها؛ إنها تبدأ من العمر الذي بلغه أصحابها. أحببتُ الفكرة، لأن الوفاء ليس تمثيل الماضي، بل بناء حاضر يستطيع حمل ما تغيّر.

وحين تتغير صداقة، لن أقلل من حزنكِ لأنها «ليست علاقة حب». خسارة الصديق قد تقتلع سنوات كاملة من التفاصيل اليومية، وتترك أشياء كثيرة بلا شاهد. سأمنح وجعكِ مكانه، حتى لو كنتُ لا أحب الشخص الذي فقدتِه، وحتى لو ظننتُ أن الابتعاد أفضل لكِ. الحكمة لا تلغي الفقد، والقرار الصحيح قد يؤلم. لن أطالبكِ أن تفرحي لأنني باقٍ، كأن وجودي يجب أن يسد كل غياب؛ لكل علاقة موضعها، والفراغ يحتفظ بشكل من غادره.

أريد أن يعرف من يحبكِ أن حبي لكِ لا يضيّق الطريق إليكِ. لن أقف عند الباب أراقب الحصص، ولا أحصي عدد المرات التي اخترتِ فيها غيري لحديث أو نزهة. سأرحب بمن يصونكِ، وأتعلم أسماء الأشياء التي تهمهم لأنهم جزء من المشهد الذي يحفظكِ إن تعبتِ يومًا ولم أكن قريبًا. القوة ليست أن أكون وحدي قادرًا على حملكِ؛ القوة أن أفرح لأن حولكِ أيدي أمينة، وأن أضيف يدي إليها من غير أن أدفعها بعيدًا.

وقبل أن تغادر صديقتكِ، ربطتِ الخيط الأزرق الجديد حول معصمها، وربطت هي الآخر حول معصمكِ. لم تتقنا العقدة من المحاولة الأولى؛ كانت أصابعكما أبطأ مما تتذكران، فضحكتما على الفرق بينكما وبين الفتاتين اللتين صنعتا السوار القديم. وقفتُ عند الباب أحمل المظلة، وانتظرتُ حتى انتهيتما. وحين رفعتِ يدكِ لتريني السوار، لم أره علامة على دائرة مغلقة لا مكان لي فيها. رأيته دليلًا على أن في قلبكِ قدرة قديمة ما زالت تعرف كيف تبدأ من جديد.

لهذا، لا تختاري بين الحب والصداقة كي تطمئنيني. لا تصغّري مكان أحد لتكبّري مكاني، ولا تجعلي وحدتكِ برهانًا على إخلاصكِ. أحبيني من حياة ممتلئة، من مائدة فيها مقاعد متعددة، ومن هاتف يحمل أسماء تستطيعين الاتصال بها حين يثقل عليكِ المساء. وسأحبكِ من غير أن أطالب بأن أكون الجواب عن كل سؤال، أو الشاهد على كل ذكرى، أو اليد الوحيدة التي تجدينها حين تمدين يدكِ.

صداقاتكِ لا تنافسني؛ هي تحفظ أجزاء منكِ لم أعش زمنها، وتوقظ فيكِ ضحكات لا أجيد صنعها، وتمنحكِ مرايا لا تشبه مرآتي. وأنا لا أريد نسخةً منكِ لا ترى إلا نفسها في عينيّ. أريدكِ واسعة الصلات، حرة في المودة، وفيةً من غير أن تُستنزفي، وقادرة على العودة إلى من تحبين بلا خوف من حساب ينتظركِ. وحين يرن الجرس في مساء آخر، سأضع إبريق الشاي على النار، وأفتح معكِ الباب، ثم أترك للبيت أن يتسع لمن جاء يحمل إليكِ جزءًا عزيزًا من قلبكِ.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً