الرجوع إلى رسائل من القلبرسائل من القلب

وعودي تعرفُ طريقكِ

كان المساء يهبط مبكرًا، والبرد يصل إلى الزجاج قبل أن يصل إلى الشوارع. منذ الظهيرة، ظهرت على هاتفي إشارة صغيرة تحذر من الصقيع الأول، فتذكرتُ حديثنا قبل أيام حين كنتِ تقلّبين أصص الشرفة، وتشرحين لي أيّ النباتات يحتمل الخريف وأيّها يخذله انخفاض واحد في الحرارة. أشرتِ إلى نبتة الريحان، ثم إلى إكليل الجبل وشجرة الليمون الصغيرة، وقلتِ إنكِ ستعودين متأخرة يوم الاثنين. أجبتكِ ببساطة: سأدخلها قبل الليل. لم يكن وعدًا احتفاليًا، ولم نتوقف عنده طويلًا؛ مضينا إلى حديث آخر، وبقيت الجملة في عهدتي.

عندما عدتِ، كان طرف معطفكِ مبللًا، وكانت يداكِ داخل القفازين تحملان أكياسًا أكثر مما ينبغي. فتحتِ الباب مسرعة، وبدل أن تضعي الأشياء أو تسأليني عن يومي، اتجهت عيناكِ إلى الشرفة. رأيتُ في خطوتكِ ذلك الاستعداد القديم لأن تتداركي وحدكِ ما فات الآخرين. لكنكِ توقفتِ. كانت الأصص مصطفة قرب النافذة، فوق مناشف قديمة تحمي الأرض، وكانت أوراق الريحان ترتجف قليلًا من انتقالها إلى الدفء. كنتُ أحمل الأصيص الأخير بكلتا يديّ، وعلى حافة الشرفة خلفي بدأ الصقيع يرسم لمعانه الخافت.

نزعتِ قفازًا واحدًا، ومددتِ أصابعكِ إلى ورقة من شجرة الليمون، كأنكِ تتحققين أنها وصلت سالمة. ثم نظرتِ إليّ بتلك الدهشة الهادئة التي لا تصنع ضجيجًا، لكنها تغيّر وضع الكتفين وتخفف ما حول العينين. قلتِ: تذكّرتَ. لم تقولي: أنقذت النباتات، ولا: أحسنت. كان الفعل الأهم عندكِ هو أنني تذكرت. عندها فهمتُ أن بعض الوعود الصغيرة لا تحمل وزنها من حجم المهمة، بل من السؤال الخفي الذي تجيب عنه: هل يبقى كلامي معكِ حاضرًا حين أغيب عن الغرفة؟

أريد أن يكون جوابي نعم، لا في هذه الليلة وحدها، بل في الطريقة التي نعيش بها. أعرف أن الحب يستطيع أن يقول عبارات واسعة عن العمر والمصير، وأن الكلمات الكبيرة تمنح القلب دفئًا سريعًا، لكن الثقة لا تسكن فيها وحدها. إنها تتكوّن أيضًا حين أقول إنني سأتصل بعد الموعد فأتصل، وإنني سأحضر ما تحتاجينه فأضعه في حقيبتي، وإنني سأعود إلى موضوع مؤلم بعد أن نهدأ فلا أتركه يذوب في راحتي المؤقتة. الوفاء اليومي ليس أقل شاعرية من الوعد البعيد؛ إنه الشعر الذي تعيش عليه الأيام.

لن أجعل ذاكرتي مسؤوليتكِ. لا أريد أن أقول لكِ: ذكّريني، كلما التزمتُ بأمر يخصكِ، ثم أعدّ نفسي وفيًا إذا أدرتِ أنتِ الموعد من أوله إلى آخره. حين أعدكِ، تصبح المهمة عندي: أكتبها، أو أضع تنبيهًا، أو أترك شيئًا في موضع يوقظني إليها. لا تنقص قيمة التذكر لأنه استعان بتقويم؛ فالمحبة ليست مسابقة في قوة الذاكرة. قيمتها في أن أحترم ما يهمكِ بما يكفي لأبني له وسيلة وصول، بدل أن أطالبكِ بحمل رغبتكِ وحمل تذكيري بها معًا.

وأعرف أن هناك فرقًا بين النسيان العابر والإهمال الذي يتكرر حتى يصير رسالة. قد أنسى مرة، كما تنسين، لأننا بشر تتزاحم في رؤوسهم الأيام. لكنني لن أستخدم بشريتي ستارًا دائمًا. إذا وجدتِ نفسكِ تذكرينني بالشيء نفسه كل أسبوع، فليس من العدل أن أتهمكِ بالإلحاح؛ عليّ أن أنظر إلى ما صنعه تهاوني فيكِ. التكرار يحوّل الطلب البسيط إلى عبء نفسي: هل أطلب ثانية؟ هل أبدو كثيرة؟ هل أنفذ الأمر بنفسي وأسكت؟ لا أريد لحبي أن يضعكِ أمام هذه الأسئلة.

ولن أقيس أهمية الوعد بحجمه في عينيّ. ربما يكون نقل أصيص أمرًا صغيرًا عندي، لكنه عندكِ مرتبط بصباحات سقيتِ فيها التراب، وبورقة جديدة انتظرتِها، وبرائحة ريحان تذكركِ بمطبخ بعيد. وما دام الشيء عزيزًا عليكِ، فلا يحق لي أن أسخر من خوفكِ عليه لأنني لا أشعر به بالطريقة نفسها. المحبة لا تتطلب أن نتساوى في التعلق بكل شيء؛ تتطلب أن أحترم المعنى الذي يسكن الشيء لديكِ، وأن أتعامل معه كجزء من عالمكِ الذي ائتمنتِني عليه.

لكنني أيضًا لن أعدكِ بما لا أستطيع كي أبدو جميلًا في اللحظة. لن أقول إنني لن أخيبكِ أبدًا، أو إنني سأكون حاضرًا كلما احتجتِ إليّ، لأن الحياة قد تضعني في مكان لا أصل منه، وقد تقصر قدرتي رغم صدق رغبتي. الوعد المستحيل يلمع حين يُقال، ثم يترك جرحًا حين يطالب به الواقع. سأعطيكِ كلامًا على قدر استطاعتي: سأحاول، سأعود في هذا الوقت، سأخبركِ إن تغيّر الأمر. أريد لوعدي أن يكون جسرًا يمكننا السير فوقه، لا زينة معلقة فوق فراغ.

إذا تغيّر ظرفي، فلن أنتظر حتى يفوت الموعد ثم أقدّم لكِ قائمة أعذاري. سأخبركِ مبكرًا ما استطعت، وأقول بوضوح إنني لن أفي بما اتفقنا عليه، ثم أسأل كيف نعيد ترتيب الأمر. ثمة فرق كبير بين خيبة تصل ومعها صدق، وخيبة تترككِ واقفة أمام باب مغلق لا تعرفين ما حدث. لا يمحو التنبيه أثر كل تقصير، لكنه يحفظكِ من الانتظار ومن بناء يومكِ على شيء أعرف أنه لن يقع. احترام وقتكِ شكل من احترام قلبكِ، وأنا لا أريد أن أستهلك الاثنين بصمت يمكن تجنبه.

وحين أخلف وعدًا، لن أجادلكِ في حجم وجعكِ. لن أقول إن الأمر بسيط، أو إنكِ كان يمكنكِ فعل المهمة بنفسكِ، أو أستدعي عشر مرات وفيتُ فيها لألغي المرة التي قصرتُ. الأعمال الطيبة لا تتحول إلى أصوات انتخابية تبرئني عند الخطأ. سأقول: وعدتُ ولم أفِ، وأفهم أن هذا جعلكِ أقل اطمئنانًا. ثم أصلح ما يمكن، وأغير النظام الذي سمح بتكرار الخلل. الاعتذار الذي يعترف بالنتيجة ويصنع إجراءً جديدًا أصدق من اعتذار طويل يطلب منكِ أن تواسيني لأنني أشعر بالذنب.

وأريدكِ أن تعرفي أن محاسبتي لا تجعلكِ متطلبة. يمكنكِ أن تقولي: كنتَ قد وعدتني، من غير أن تليني العبارة عشر مرات كي تحمي كبريائي. لستِ مضطرة إلى تقديم مرافعة تثبت أن حاجتكِ مشروعة، ولا إلى البدء بمدح كل ما أفعله قبل أن تشيرِي إلى ما لم أفعله. إن كان بيننا عهد واضح، فمن حقكِ أن تذكريه. دوري ألا أحول السؤال عن مسؤوليتي إلى محاكمة لنبرتكِ، وألا أجعلكِ تندمين لأنكِ وثقتِ بكلامي بما يكفي لتنتظريه.

وفي المقابل، أتمنى ألا نستخدم الوعود سلاسل. قد نكتشف أن اتفاقًا قديمًا لم يعد يناسبنا، أو أن القدرة التي بنيناه عليها تغيّرت. عندها لا أريد لأحدنا أن يلوّح بالعبارة الماضية ليمنع الآخر من النمو. الوفاء لا يعني أن نظل أسرى لكل كلمة قلناها في ظرف مختلف؛ يعني أن نعود إليها معًا قبل أن نتركها، وأن نشرح ما تبدل، وأن نتحمل أثر التغيير. الوعد المحترم يمكن مراجعته باتفاق، لكنه لا يُهجر من طرف واحد ثم يُطلب من الآخر أن يتصرف كأنه لم يسمعه.

بعد أن وضعتُ الأصيص الأخير، جلستِ على الأرض قرب النباتات، ولم تهتمي أن يلتقط بنطالكِ بعض التراب. رفعتِ ورقة ذابلة من تحت الإناء، ثم ضحكتِ لأنني أدخلتُ أيضًا أصيصًا فارغًا لا ينمو فيه شيء. قلتُ إنني لم أعرف إن كان يحمل بذورًا نائمة، فآثرتُ السلامة. مسحتِ حافة الإناء بإبهامكِ وقلتِ إنكِ زرعتِ فيه قبل أشهر ولم ينجح. بقي مع ذلك في الداخل. أحببتُ المشهد: حتى ما لم يثمر وجد مكانًا آمنًا تلك الليلة، لا لأنه أثبت فائدته، بل لأنني لم أشأ أن أقرر عنه وحدي.

صنعتُ لنا الشاي، وبقيتِ أنتِ ترتبين الأصص بحيث يصل الضوء إلى كل واحدة في الصباح. لم تكوني بحاجة إلى عرض كبير للامتنان؛ كان ارتخاء ظهركِ كافيًا. أدركتُ أن إنجاز الوعد منحكِ أكثر من راحة عملية. لقد أعفاكِ، لساعة على الأقل، من دور من يتابع كل التفاصيل كي لا تسقط. وربما هذا ما أريده لكِ معي: ألا تكوني المديرة الخفية للعلاقة، التي تتذكر المناسبات والحوارات المؤجلة وحاجات البيت ثم توزع التعليمات برفق. أريد أن أرى نصفي من الحياة قبل أن تشيري إليه، وأن أحمله لأنه نصفي، لا لأنه خدمة إضافية أقدمها لكِ.

ستكون هناك وعود تخص الأشياء، وأخرى تخص طريقتنا في معاملة بعضنا. أن أقول إنني لن أرفع موضوعًا حساسًا أمام الناس، أو إنني سأتوقف حين تطلبين التوقف، أو إنني لن أختفي في منتصف خلاف. هذه الوعود أشد حاجة إلى اليقظة، لأنها لا تحمي نبتة من البرد، بل تحمي موضعًا حيًا في النفس. لن أتعامل معها كقواعد أتذكرها فقط عندما يكون مزاجي هادئًا. المعيار الحقيقي يظهر حين أغضب أو أتعب؛ فالكلمة التي أعطيتكِ إياها في السلام يجب أن تظل لها قيمة عندما تأتي العاصفة.

وأرجو أن تمنحيني الوضوح نفسه. لا تعديني بالموافقة وأنتِ تريدين الرفض، ولا تقولي إن الأمر لا يزعجكِ كي تنقذيني من لحظة صعبة، ثم تتحملين أثره وحدكِ. أحب صدقًا محدودًا أكثر من وعد واسع تصنعه المجاملة. قولي: أستطيع هذا ولا أستطيع ذاك، أحتاج إلى وقت، لا أعرف بعد. لن أفسر حدودكِ نقصًا في المحبة. بالعكس، الوعد الذي يخرج من حريتكِ يصلني أثمن من تضحية قلتِها تحت ضغط خوفي، ثم وجدتِ نفسكِ مطالبة بحراسة كلمة لم تكن لكِ تمامًا.

قرب منتصف الليل، خرجنا إلى الشرفة لنجمع آخر طبق صغير تحت إناء نسيته. كان الهواء حادًا، وعلى الدرابزين طبقة بيضاء رقيقة. لمستِها بطرف إصبعكِ، ثم نظرتِ من خلف الزجاج إلى النباتات المتقاربة في الدفء. قلتِ إن ساعة واحدة في الخارج ربما كانت ستكفي لإتلاف الريحان. لم أشعر يومها بأنني حققت بطولة؛ شعرت فقط أن جملة قلتُها قبل أيام وصلت في موعدها. وهذا النوع من الوصول هو ما أتمناه لكلامي معكِ: ألا يضل الطريق حين تتبدل الساعات ويزدحم رأسي وتغيب عيناكِ عني.

ربما لن تتذكرين بعد أعوام عدد الأصص، أو أيها دخل أولًا، لكنني أتمنى أن يبقى فيكِ إحساس تلك العودة: أن شيئًا عزيزًا عليكِ كان في أمان لأنكِ طلبتِ مرة، لا لأنكِ كررتِ الطلب حتى الإنهاك. وأتمنى أن أجمع أنا أيضًا مثل هذه اللحظات منكِ؛ لا لأطالبكِ بالكمال، بل كي نتعلم أن كلماتنا تستطيع أن تستقر في جسد الآخر على هيئة طمأنينة. حين يتكرر الوفاء، لا يعود كل موعد امتحانًا جديدًا، ولا يعود القلب واقفًا عند الحافة ينتظر البرهان.

سأخطئ أحيانًا، وستفعلين. وقد يأتي يوم لا تنجو فيه النبتة رغم أننا أدخلناها، لأن العناية لا تضمن كل نتيجة. لكنني أعدكِ بشيء أقدر عليه: ألا أستخف بما أقول، وألا أحمّلكِ مهمة مطاردتي بكلامي، وألا أجمل تقصيري حتى تشكي في حقكِ. سأختار وعودي بصدق، وأسندها بما يلزم، وأخبركِ حين أعجز، وأعود للإصلاح إذا سقط مني شيء. لا لأنني أريد صورة رجل لا ينسى، بل لأنني أريدكِ أن ترتاحي إلى الإنسان الذي أنا عليه فعلًا.

وفي الصباح، حين يذوب الصقيع عن الشرفة وتدخل الشمس على استحياء، ستجدين الريحان قرب الليمون، وإكليل الجبل مائلًا نحو الضوء، والأصيص الفارغ بينها كاحتمال لم يحن موعده. ربما تسقينها، وربما أسبقكِ إلى ذلك بعد أن أسألكِ عن مقدار الماء. وما أريده من هذه الليلة أبسط وأعمق من إنقاذ أوراق خضراء: أن تعرفي أنكِ حين تضعين أمرًا عزيزًا في كلمتي، فلن يبقى معلقًا بيننا. لن تحتاجي إلى الوقوف عند النافذة لتتأكدي أنني تذكرت؛ ستجدين ما أحببتِه حيًا قرب الضوء، وتعرفين أن وعودي، مهما بدت صغيرة، تعرف طريقكِ.

عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً