لم تبكي حين سمعتِ الخبر أول مرة أمامي، ولا حين مرّ تاريخ الرحيل على التقويم، ولا حين وجدنا صورة قديمة بين الأوراق. بكيتِ في سوق مزدحم، أمام صندوق من الرمان. كان البائع يشق حبة بسكين صغيرة ليعرض لونها، فانفتحت القشرة وظهرت الحبات الحمراء مرتبة في داخلها. توقفتِ فجأة، وانقطع الكلام الذي كنتِ تقولينه، ثم رفعتِ يدكِ إلى فمكِ كأن رائحة واحدة أعادت إليكِ مطبخًا كاملًا.
عرفتُ بعد دقائق أن والدكِ كان يقشر لكِ الرمان في الشتاء. كان يضع منشفة على ركبته، ويفصل الحبات بصبر، ثم يترك لكِ الوعاء جاهزًا لأنكِ كنتِ تكرهين البقع على أصابعكِ. لم تكن الحكاية مأساوية في ذاتها؛ كانت عادية إلى حد أن غياب صاحبها جعلها موجعة. لم تشتاقي يومها إلى حدث كبير، بل إلى يد تعرف تفصيلًا صغيرًا عنكِ ولا تحتاج إلى تذكير.
وقف الناس من حولنا يساومون على الأسعار ويحملون أكياسهم، بينما بقيتِ أمام الصندوق كأن السوق ابتعد. لم أقل لكِ إن عليكِ أن تتمالكي نفسكِ، ولم أسرع إلى شراء الرمان كي أحوّل اللحظة إلى حل. سألتُ فقط إن كنتِ تريدين أن نبقى أو نغادر. قلتِ إنكِ تريدين دقيقة، فوقفنا عند طرف الممر، وكان البائع يواصل ترتيب الفاكهة من غير أن يعرف أن حبة بين يديه فتحت بابًا لا يراه.
حزنكِ لا ينافسني. حبكِ لمن رحل لا ينتقص من الحب الذي تمنحينه لي، واشتياقكِ إلى صوته لا يعني أن صوتي فشل في طمأنتكِ. القلب لا يوزع مقاعده على طريقة غرفة ضيقة؛ يستطيع أن يحمل غائبًا وحاضرًا من غير أن يطرد أحدهما الآخر. لن أطلب منكِ أن تغلقي بابًا في ذاكرتكِ كي أشعر أن مكاني آمن، ولن أتعامل مع دمعتكِ كأنها التفات بعيد عني.
أعرف أن بعض الناس يخافون من الحزن لأنه لا يقبل المقارنة. لا يستطيع الحاضر أن يعيد ما مضى، فيشعر بالعجز ثم يحاول إنهاء الحديث أو تغييره. قد يقول: لديكِ من يحبكِ الآن، كأن الحب الجديد تعويض حسابي عن الفقد. لكنني لا أريد أن أكون بديلًا عن أحد. أريد أن أكون الرجل الذي يقف بقربكِ حين تذكرين من كان قبلي في قلبكِ، ويعرف أن الأدوار المختلفة لا تتقاتل.
لن أغار من قصة تروينها للمرة العاشرة. إذا قلتِ كيف كان يضحك، أو أي أغنية يرفع صوتها في السيارة، أو كيف كان يخطئ في اسم طبق يحبه، فلن أبحث داخل الحكاية عن مساحة أضع نفسي فيها. سأسمعها لأنها جزء منكِ. الذين أحبونا ثم غابوا لا يتركون ذكريات منفصلة عنا؛ يتركون عادات ونبرات وطرقًا في النظر. حين أعرفهم من كلامكِ، أعرف شيئًا من الطريق الذي جاء بكِ إليّ.
ولن أطالبكِ بأن تتذكريه بطريقة جميلة دائمًا. قد يكون بينكما خلاف لم يُحل، أو جملة قاسية لم يُعتذر عنها، أو سنوات شعرتِ فيها أنه لم يفهمكِ. الموت لا يحوّل العلاقة كلها إلى صورة نقية. لكِ أن تشتاقي وتغضبي في الوقت نفسه، وأن تحبي من رحل من غير أن تبرئي كل أفعاله. سأحترم الحقيقة المركبة، ولن أدفعكِ إلى قداسة مصطنعة لأن الناس يرتبكون أمام الكلام الصادق عن الغائبين.
وقد تشعرين بالذنب لأن الحياة استمرت. تضحكين في يوم يصادف ذكرى حزينة، أو تنسين التاريخ حتى المساء، أو تمر أسابيع لا تفكرين فيها به بوضوح. لن أسمح للذنب أن يصف هذا بالنسيان. الذاكرة لا تعمل كشمعة ينبغي أن تبقى مشتعلة كي يثبت الوفاء. أحيانًا يصير من نحب جزءًا هادئًا من تكويننا، لا نذكره كل ساعة لأنه لم يعد خارجنا بالكامل.
وفي أيام أخرى، قد يعود الغياب طازجًا من دون إنذار. رائحة، طريق، كلمة يستخدمها غريب، أو حبة رمان مفتوحة، تستطيع أن تهدم المسافة التي بنتها السنوات. لن أسألكِ لماذا ما زلتِ تتأثرين، فالحزن لا يسير في خط مستقيم ولا يحمل موعد انتهاء. سأتعامل مع الموجة الحاضرة كما هي، لا كدليل على أن كل ما سبق من تعافٍ كان وهمًا.
لن أجعل نفسي مسؤولًا عن شفائكِ الكامل. أستطيع أن أرافقكِ، لكنني لا أملك محو الفقد، ولا أريد أن أعدكِ بما لا يملكه إنسان. إذا بكيتِ قرب صدري، فلن أتصور أن حضوري يجب أن يوقف دموعكِ كي يثبت نجاحه. قد أبقى معكِ والوجع موجود، وهذا ليس فشلًا. بعض المحبة لا تصلح الشيء؛ تمنع فقط أن يضطر صاحبه إلى حمله وحده.
وسأحترم الأيام التي تريدين فيها أن تحزني بعيدًا عني. ربما تزورين مكانًا وحدكِ، أو تسمعين تسجيلًا لا تستطيعين مشاركته، أو تجلسين مع عائلتكِ في حديث له لغته الخاصة. لن أفسر ذلك إقصاءً. قربنا لا يمنحني حق الدخول إلى كل طقس، والوفاء لكِ قد يعني أحيانًا أن أترك الباب مغلقًا وأنتظر حتى تعودي من دون أن أطالب بتقرير عمّا حدث خلفه.
لكنني لن أترككِ وحدكِ لأن حزنكِ يربكني. إذا أردتِ رفقةً في زيارة أو ذكرى، سأذهب معكِ من غير أن أجعل وجودي مركز اليوم. سأحمل ما تطلبين، وأقف حيث تشيرين، وأصمت حين يكون الصمت أصدق. لن أبحث عن عبارة عظيمة أمام قبر أو صورة؛ فالكلمات التي تريد أن تبدو حكيمة قد تُثقّل لحظة يكفيها حضور هادئ.
بعد أن هدأتِ في السوق، عدنا إلى صندوق الرمان. سألكِ البائع كم حبة تريدين، فنظرتِ إليّ ثم قلتِ: اثنتين. لم أسأل لماذا اثنتان ونحن شخصان، ولم أحوّل العدد إلى رمز. حملتِ الكيس بنفسكِ، ومشينا بين الأكشاك. بعد خطوات أخبرتِني أن والدكِ كان يختار الحبة الثقيلة لأن امتلاءها يُعرف من وزنها. رفعتُ الكيس قليلًا، فضحكتِ وقلتِ إنني ما زلتُ أحتاج إلى تدريب.
أحببتُ الضحكة لأنها لم تخن الدموع التي سبقتها. الفرح لا يهين الحزن، كما أن الحزن لا يلغي قدرة القلب على الفرح. تستطيعين أن تبتسمي أثناء حكاية عنه، وأن تضحكي من عادة كانت تزعجكِ، ثم تصمتي حين تصلين إلى النهاية. لن أراقب انتقالكِ بين المشاعر كأنني أبحث عن اتساق. الإنسان أصدق حين يسمح لما فيه أن يتجاور.
وفي البيت، وضعتِ منشفة على ركبتيكِ وبدأتِ تقشرين الحبة الأولى. لم تكوني ماهرة بطريقته؛ انكسرت القشرة في مواضع كثيرة، وتناثرت حبتان على الأرض. جلستُ قبالتكِ وانتظرتُ أن تطلبي المساعدة. قلتِ إنكِ تريدين أن تفعليها وحدكِ هذه المرة، لا لأنكِ ترفضينني، بل لأن أصابعكِ كانت تحاول تذكر حركة شاهدتها مئات المرات.
راقبتُكِ من غير أن أقلد دوره أو أقول إنني سأتعلم كي أفعل لكِ ما كان يفعله. بعض العنايات تحمل توقيع أصحابها، ولا ينبغي للحب أن ينسخه. يمكنني أن أصنع لكِ أشياء تخصنا نحن، وأن أشارككِ الرمان من غير أن أدعي أن يدي هي اليد نفسها. احترام الغائب يعني أيضًا ألا نحاول احتلال مكانه بحسن نية.
حين امتلأ الوعاء، دفعتِه نحوي، ثم سحبتِه ثانية وضحكتِ. قلتِ إن الجزء الأول كان لكِ دائمًا. أخذتِ ملعقة، وأكلتِ ببطء، وبعد دقائق وضعتِ الوعاء بيننا. لم يكن ذلك انتقالًا من الماضي إليّ، ولا تنازلًا عن ذكرى. كان اتساعًا بسيطًا: الطقس القديم وجد مكانًا جديدًا من غير أن يفقد أصله، وأنا دخلتُه ضيفًا لا وريثًا.
أريد أن أعرف مواعيدكِ الصعبة من غير أن أحولها إلى جدول للمراقبة. قد أضع في ذهني أن أسبوعًا معينًا يثقل عليكِ، فأسألكِ كيف تريدين أن يمر، لا أن أفترض. ربما تحتاجين إلى الخروج، أو إعداد طعام يحبه، أو تجاهل التاريخ تمامًا. سأتبع حاجتكِ في ذلك العام، لأن طقوس الحزن تتغير، وما واساكِ مرة قد يخنقكِ في مرة أخرى.
ولن أستخدم ذكرى من فقدتِه في خلافنا. ما تقولينه لي عن هشاشتكِ أمانة، لا مادة أستدعيها لأفسر غضبكِ أو أخيفكِ من الفقد من جديد. لن أقول إنكِ تتعلقين لأنكِ فقدتِ، أو إن خوفكِ مجرد أثر قديم، وكأن تاريخكِ يبطل حجتكِ الحاضرة. قد يؤثر الماضي فينا، لكنه لا يسلبنا حق أن نُفهم اليوم على شروط اليوم.
إذا أنجبت أيامنا مناسبات جديدة، لن أطالبها بأن تمحو المناسبات القديمة. قد نفرح في شهر يحمل ذكرى رحيل، وقد نصنع تقليدًا لنا قرب تقليد يخص عائلتكِ. الزمن لا يوزع أيامه بعدل، ولا ينتظر أن تنتهي الأحزان قبل أن يرسل أفراحًا. سنسمح لكليهما بالجلوس إلى المائدة، من غير أن نطلب من أحدهما الاعتذار للآخر.
وأرجو أن تفعلي الشيء نفسه مع غيابي حين يأتي في صورة مختلفة: صديق رحل، بيت فقدته، مرحلة انتهت، أو نسخة من نفسي لم أعد أستطيع الرجوع إليها. لا تسابقي الذكرى لتثبتِي أنكِ تكفينني. يكفيني أن تكوني بقربي حين أحتاج، وأن تعرفي أن اشتياقي إلى زمن آخر لا يعني أنني أرفض الزمن الذي يجمعني بكِ.
في آخر المساء، بقيت حبة الرمان الثانية على الطاولة. سألتُكِ إن كنتِ تريدين حفظها، فقلتِ إنكِ ستأخذينها إلى أمكِ في اليوم التالي. ثم أضفتِ أنكما ربما ستختلفان على الطريقة الصحيحة لتقشيرها، لأن كل واحدة منكما تتذكر يديه بشكل مختلف. في جملتكِ كان الغياب حيًّا لا بوصفه جرحًا فقط، بل أثرًا يتوزع بين من أحبوه، وكل واحد يحمل منه زاوية لا يملكها الآخر.
لذلك، حين يجيء حزنكِ إلى يومنا، لن أطلب منه بطاقة تعريف ولا موعد مغادرة. سأفسح له مكانًا بالقدر الذي تحتاجينه، وأتذكر أن قبولي له جزء من قبولي لكِ. لن أعدّ الدموع التي نزلت من أجل شخص آخر، ولن أقارن أثره بأثري، ولن أستعجل تحويل الذكرى إلى درس. سأكون حاضرًا بما يكفي كي لا يضطر الغائب إلى الاختفاء من كلامكِ كي أبقى مطمئنًا.
وحين تفتحين حبة رمان بعد سنوات، ربما يوجعكِ المشهد، وربما تبتسمين، وربما لا يحدث شيء. في الحالات كلها، لن أقيس وفاءكِ. سأضع الوعاء بيننا، وآخذ نصيبي حين تقدمينه، وأترك الجزء الأول لكِ كما كان. فحبي لا يريد أن يهزم ما سبق، بل أن يصنع إلى جواره حياةً واسعة؛ حياةً تستطيعين فيها أن تشتاقي إلى اليد التي غابت، ثم تمدّي يدكِ الحاضرة نحوي، من غير أن تخوني أحدًا.
حزنكِ لا ينافسني
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً