دخلنا محل النظارات في ظهيرة خريفية هادئة، بعد أسابيع من شكواكِ أن الحروف تتعب عينيكِ وأن أضواء السيارات في المساء تصير دوائر رخوة. كنتِ تحملين الوصفة مطوية في جيبكِ، وتقولين إن الأمر عادي، مجرد تغيير صغير في القياس، لكنكِ وقفتِ أمام صفوف الإطارات وقتًا أطول مما توقعتِ. جرّبتِ واحدًا أسود، ثم آخر بلون العسل، وكلما نظرتِ إلى المرآة سألتِني: هل يجعلني هذا أكبر؟ لم يكن السؤال عن قطعة زجاج ومعدن؛ كان عن العمر حين يطلّ فجأة من تفصيل لم نخطط له.
اخترتِ إطارًا رقيقًا بلون داكن، وسلّمته للبائعة كي تثبت العدستين الجديدتين. جلستِ إلى جانبي تنتظرين، تعبثين بطرف الوصفة وتراقبين امرأة مسنة تختار نظارة حمراء جريئة. كانت تضحك أمام المرآة وتدير وجهها يمينًا ويسارًا، بينما ابنتها تصفق لاختيارها. رأيتُكِ تبتسمين لها، ثم تلمسين الخط الصغير عند طرف عينكِ كما لو أنكِ اكتشفتِه لتوّكِ. أردتُ أن أقول سريعًا إنه لا يظهر، لكنني توقفتُ؛ لأن إنكار ما ترينه ليس حبًّا، ولأنكِ لم تكوني بحاجة إلى شاهد يكذّب عينيكِ.
حين أحضرت البائعة النظارة، وضعتها لكِ برفق، ثم أشارت إلى النافذة الكبيرة كي تجرّبي النظر بعيدًا. رفعتِ رأسكِ، وسكن وجهكِ لحظة. قلتِ إنكِ تستطيعين رؤية عروق الأوراق على الشجرة المقابلة، ورؤوس المسامير في إطار النافذة، وحبات الغبار التي تدور في شريط الشمس. بدت دهشتكِ طفولية وناضجة في آن واحد: فرح من يستعيد شيئًا، ووعي من يعرف أنه احتاج إلى مساعدة ليستعيده. ثم التفتِّ إليّ، حدقتِ في وجهي، واقتربتِ نصف خطوة.
قلتِ ضاحكة إن في صدغي شعرة بيضاء لم تريها من قبل. رفعتُ يدي أبحث عنها، فأمسكتِ معصمي ومنعتِني، ثم قلتِ: اتركها، إنها جميلة. ضحكنا، لا لأن الزمن كان نكتة، بل لأن وضوحكِ الجديد لم يكشف عيبًا ينبغي إخفاؤه؛ كشف علامة صغيرة تؤكد أننا هنا، وأن الأيام مرّت بنا فعلًا. في تلك اللحظة فهمتُ أنني لا أريد حبًّا يظل واقفًا أمام صورتنا الأولى، يطالب وجوهنا بأن تبقى كما كانت كي يطمئن إلى صدقه.
أحبكِ في عمركِ الذي جئتِني به، وفي الأعمار التي حملتِها معكِ من غير أن أراها. أحب الطفلة التي كانت تسأل كثيرًا ثم تعلمت أحيانًا أن تصمت، والفتاة التي اختارت أشياء لأنها أرادتها وأخرى لأنها خافت أن تخيّب أحدًا، والمرأة التي صرتِها بما ربحتِ وما اضطررتِ إلى تركه. لستُ منافسًا لماضيكِ، ولا أطلب أن أكون أجمل ما حدث فيه كي أستحق الحاضر. يكفيني أن أعرف أن كل نسخة منكِ أوصلت يدكِ إلى يدي، وأنها لم تختفِ تمامًا حين كبرتِ.
لن أجعل شبابكِ القديم خصمًا لكِ. لن أرفع صورة سابقة وأقارن بها وجهكِ كلما تغيّر، أو أقول لكِ بلهجة مدح إنكِ ما زلتِ تبدين كما كنتِ قبل أعوام، كأن البقاء هناك هو الانتصار الوحيد. قد تفرحكِ العبارة مرة، لكنها تحمل داخلها خوفًا قاسيًا: ماذا لو لم تعودي كذلك؟ أريد أن يكون جمالكِ عندي قادرًا على الحركة، لا تمثالًا يحرسه القلق. أن أراكِ كما أنتِ الآن، لا كنجاح في مقاومة الزمن.
ستتغير ملامحكِ، وهذا ليس تهديدًا. قد تزداد الخطوط قرب عينيكِ، ويبهت لون شعرة أو يشتد، وتتبدل هيئة جسدكِ مع الصحة والتعب والسنوات. لن أصف كل تغيير بأنه رائع كي أهرب من صدقكِ؛ فقد يزعجكِ بعضه، وقد تحزنين على شيء كان سهلًا ثم صار يحتاج جهدًا. سأجلس معكِ في ذلك الحزن من غير أن أتهمكِ بالسطحية، ومن غير أن أحوّل وجعكِ إلى فرصة ألقي فيها موعظة عن الجمال الداخلي. جسدكِ بيتكِ، ومن حقكِ أن تشعري حين تتغير غرفه.
وحين تسألينني عن رأيي، سأعطيكِ صدقًا حنونًا لا حكمًا نهائيًا. لن أتظاهر أنني لا أرى، ولن أفتش بعين ناقد عن كل علامة. سأقول إنني أراكِ كاملة: النظارة التي صارت جزءًا من تعبيركِ، والخط الذي يظهر حين تضحكين، والملامح التي حملت ليلة قليلة النوم، والوجه الذي يستعيد نضارته بعد راحة. لا توجد لقطة واحدة تختصركِ. أنتِ حركة متواصلة بين حالات كثيرة، وجمالكِ ليس امتحانًا تجتازينه كل صباح أمام مرآتي.
أعرف أن العالم يبيع المرأة خوفًا ثم يعرض عليها علاجًا لا ينتهي. يشير إلى كل سنة كأنها خسارة، وإلى كل أثر كأنه تقصير شخصي، ويقنعها أن وجهها مشروع صيانة دائم. لا أريد أن يدخل هذا الصوت بيننا مرتديًا نبرتي. لن ألمح إلى تغيير لا تريدينه، ولن أقيس محبتكِ بمدى اقترابكِ من صورة مصقولة لا تعيش يومًا حقيقيًا. وإذا اخترتِ عناية أو علاجًا أو لونًا جديدًا، فسأحترم اختياركِ ما دام لكِ، لا استجابة لخوفي من أن تتغيري.
لن أطالبكِ أيضًا بأن ترفضي كل شيء لتبرهني أنكِ متصالحة. ربما تحبين صبغ شعركِ، أو تغيير إطار نظارتكِ، أو الاحتفاظ بطقس يمنحكِ ثقة. ليس القبول إهمالًا، ولا الزينة خيانة للنضج. المهم أن يبقى القرار في يدكِ، وأن تعرفي أنكِ لا تصلحين نفسكِ من أجل أن تظلي جديرة بقربي. سأفرح بما يفرحكِ، لكنني لن أجعل اختياراتكِ أقساطًا تدفعينها ليبقى إعجابي قائمًا.
في المحل، ظللتِ تنظرين عبر النافذة ثم تنزعين النظارة، تقارنين بين عالمين: واحد ناعم الحواف، وآخر تظهر فيه التفاصيل كلها. قلتِ إن الوضوح جميل لكنه قاسٍ قليلًا، لأنكِ رأيتِ خدشًا في الزجاج لم تلحظيه من قبل. أجبتُكِ أن الخدش كان هناك سواء رأيناه أم لا، وأن رؤيته لا تفسد النهار. نظرتِ إليّ من فوق الإطار وقلتِ إنني أتحدث عن النافذة كأنني أتحدث عنا. كنتِ محقة، لكنني لم أقصد استعارة جاهزة؛ قصدت أن القرب الواضح لا يعدنا بصورة بلا آثار.
كلما عرفتكِ أكثر، رأيتُ تفاصيل لم تكن ظاهرة في البداية. عرفتُ مواضع شكّكِ، وطريقتكِ في الانسحاب حين يكثر الضجيج، والأيام التي لا تحبين فيها صورتكِ مهما قلتُ. وأنتِ رأيتِ فيّ ما أخفيته الحماسة الأولى: عنادي، وخوفي من فقد السيطرة، وصمتي الذي قد يبدو ثباتًا وهو ارتباك. لم تجعلنا الرؤية الأقل مثالية أقل استحقاقًا للحب. بل صار اقترابنا أصدق حين توقف كل منا عن مطالبة الآخر بالبقاء خلف عدسة الرحلة الأولى.
أريد أن أكبر أمامكِ بلا خجل أيضًا. أن أخبركِ حين تتعب عيناي، أو يخذلني ظهري، أو أنسى اسمًا كنت أعرفه، من غير أن أختبئ وراء مزحة عن الشيخوخة. لا أريد دور الرجل الذي يراقب تغيّركِ من أرض ثابتة كأن الزمن لا يلمسه. شعرتي البيضاء التي رأيتِها إعلان صغير بأنني في الطريق نفسه. ربما تتسع المسافة بين ما أقدر عليه وما كنت أقدر، وسأحتاج منكِ يومًا إلى الصبر الذي أعدكِ به اليوم.
لكنني لا أريد أن يتحول مستقبلنا إلى قائمة مخاوف. لن نعيش الحاضر ونحن نفحصه بحثًا عن أول علامة للغياب. سنشتري النظارة المناسبة، ونقرأ القوائم من غير أن نمدها بعيدًا، ونضحك حين نبحث عن النظارة وهي فوق الرأس. سنأخذ أجسادنا بجدية من دون أن نجعلها أخبارًا سيئة تمشي معنا. فما يزال أمام عينيكِ كثير يستحق أن يُرى، وأمام يديكِ أشياء تُتعلّم، وأمام قلبكِ دهشات لا تسأل شهادة الميلاد قبل أن تدخل.
وقد تصبحين في عمر لاحق أكثر جرأة مما أنتِ الآن، لا أقل. ربما تختارين إطارًا أحمر مثل المرأة التي كانت أمامنا، أو تقصين شعركِ كما تمنيتِ طويلًا، أو تبدئين هواية ظننتِ أن موعدها فات. لن أعاملكِ كأن الجديد حق للصغار وحدهم، ولا كأن النضج يعني أن تكرري نفسكِ بأدب. العمر لا يغلق باب التجربة؛ إنه يبدل أسبابها. ما تفعلينه لاحقًا لن يكون محاولة لاستعادة فتاة مضت، بل تعبيرًا عن امرأة تعرف أخيرًا ما تريد.
أريد أن نحفظ صورنا، لكن لا كي نحاكم بها وجوهنا. سننظر إلى صورة قديمة ونقول: هكذا كنا، لا: هكذا كان ينبغي أن نبقى. سنلاحظ ثوبكِ، وتسريحة شعري، والمكان الذي أغلق منذ زمن، ثم نعود إلى اللحظة التي نحن فيها. الصور شهود على العبور، وليست أوامر بالرجوع. وما أحبه فيكِ لن يكون حبيس ورق لامع؛ سيتعلم كل مرة ملامحكِ الجديدة كما تعلمتِ العدسة الجديدة طريق عينيكِ.
بعد أن دفعتِ ثمن النظارة، أعطتكِ البائعة العلبة القديمة لتحتفظي بها. وضعتِها في حقيبتكِ، ثم سألتِ إن كان ينبغي أن ترتدي الجديدة طوال الوقت. قالت إن عينيكِ ستعتادانها تدريجيًا، وإن الأرض قد تبدو أقرب في الساعات الأولى. عند الباب، أمسكتِ بذراعي حين نزلنا الدرجة، ثم ضحكتِ لأنكِ شعرتِ أن الرصيف ارتفع نحوكِ. لم أشدكِ كأنكِ عاجزة؛ تركتُ ذراعي ثابتة فحسب حتى وجدتِ تقديركِ الجديد للمسافة.
تلك الحركة البسيطة هي ما أتمناه لأعمارنا القادمة. لن أفترض أنكِ ضعيفة كلما تغير ميزانكِ، ولن أنكر حاجتكِ إلى سند كي أحافظ على صورة القوة. سأكون قريبًا بالقدر الذي يسمح لكِ أن تجربي، وأن تخطئي تقدير الدرجة، وأن تستعيدي ثقتكِ. وإذا احتجتُ أنا إلى ذراعكِ، سأمد يدي من غير أن أجعل الطلب هزيمة. نحن لا نتقدم في العمر كلٌّ على جزيرته؛ نعبره في تبادل كريم بين من يسند ومن يستند.
خرجنا إلى الشارع، وكانت أوراق صفراء تتجمع عند حافة الرصيف. توقفتِ تحت الشجرة التي رأيتِ عروق أوراقها من الداخل، رفعتِ واحدة إلى الضوء، ثم قربتها من عينيكِ. قلتِ إن فيها خطوطًا أكثر مما توقعتِ، وإنها أجمل بعد أن بدأت تجف. لم أقل إن الورقة تشبهكِ؛ أنتِ لستِ فصلًا ذاهبًا ولا شيئًا يوشك أن يسقط. لكنني فهمتُ ما أحببتِه فيها: أن التغيّر يستطيع أن يكشف تركيبًا لم نكن نراه حين كان اللون واحدًا.
ثم نظرتِ إليّ مرة أخرى، وثبتِّ خصلة شعري البيضاء بين إصبعين كما لو أنكِ تتحققين أنها حقيقية. قلتُ إن من حقكِ أن تحبيها لأنكِ لستِ من سيحملها، فضحكتِ، وقلتِ إنكِ ستبحثين كل أسبوع عن أخت جديدة لها. لم أشعر أنني فقدت شيئًا. شعرتُ أن علامة كنت سأخفيها وحدي صارت تفصيلًا بيننا، صغيرًا وخفيفًا. هكذا أريد أن تستقبل محبتنا ما يأتي: لا بإنكار متوتر، ولا بحزن مسبق، بل بفضول لطيف يترك لكل تغير حقه في أن يُفهم.
إذا نظرتِ إلى المرآة يومًا ولم تتعرفي فورًا إلى الصورة التي أمامكِ، تعالي إليّ من غير أن ترتبي شعوركِ. لن أقول لكِ إنكِ تتوهمين، ولن أطالبكِ بأن تحبي كل شيء حالًا. سأذكّركِ بما لا تعرضه المرآة: كيف صار صوتكِ أكثر وضوحًا، وكيف تعلمتِ أن تختاري راحتكِ، وكيف ازدادت رحمتكِ بنفسكِ بعد طرق طويلة. وسأبقى منتبهًا لوجهكِ أيضًا، لا بوصفه غلافًا، بل سيرة حية كتبتها الضحكات والسهرات والنجاة.
أحبُّ أعماركِ كلّها، لا لأنها متشابهة، بل لأنها لن تكون كذلك. أحب ما كان منكِ قبل أن أعرفكِ، وما تمنحينني إياه الآن، وما ستفاجئينني به حين تتغير إجاباتكِ وملامحكِ وخطواتكِ. لا أعدكِ أن الزمن سيكون لطيفًا دائمًا، ولا أنني سأجد الكلمات الصحيحة أمام كل تبدل. أعدكِ أنني لن أضع حبّي عند باب سنة معينة وأطلب منكِ العودة إليها. سأحدّث نظرتي كلما احتاجت، وأقترب بما يكفي لأراكِ كما صرتِ، ثم أقول من غير مجاملة خائفة: هذه أنتِ، واضحة بكل ما مرّ بكِ، وما زلتِ المرأة التي أريد أن أتعلم رؤيتها، عامًا بعد عام.
أحبُّ أعماركِ كلّها
عمر إلفا — أكتبُ لأترك أثراً